كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

معضلات الاعلام العراقي

لا يخفى ما للإعلام من دور خطير في التعبير عن الرأي العام، والسيطرة عليه، والتحكم فيه، وتوجيهه وجهات معينة. وإذا كانت الأهداف المعروفة للإعلام هي نقل المعلومات وتوصيلها إلى الآخرين، ومحاولة التأثير في آرائهم وأفكارهم، فإن هذه الأهداف تصاحبها رؤى وأيديولوجيات تسهم في توجيه الرأي العام. ويمكن التذكير بما فعله غوبلز، وزير الإعلام النازي، من تأثير في المجتمع الألماني.

وحين نتوقف عند الإعلام العراقي ومدى تأثيره في الرأي العام، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هذه الفوضى التي تهيمن عليه ـ باستثناء حالات نادرة ـ ومن ثم فهو يفتقر إلى النضج وتسيطر عليه السطحية، بحيث لم يتمكن الإعلاميون العراقيون من إصدار مجلة متخصصة بالدراسات الثقيلة، على غرار مجلة «السياسة الدولية» التي تصدرها مؤسسة الأهرام المصرية منذ عقود طويلة.

نعم، هناك قلة من الدراسات المعمقة قام بها كتّاب بشكل فردي، أو مواقع جادة نادرة تهدف إلى تنوير المجتمع.

وأود التوقف عند عدد من الانطباعات، وهي قد تتداخل أحيانًا مع بعضها، وهي:

أولًا: الارتباط بالمكوّن السياسي

يرتبط الإعلام بشكل عام ـ ما عدا استثناءات نادرة ـ بمكوّن سياسي يكون في الغالب متعصبًا، يرى أنه يمثل الحق وما عداه الطوفان. وبذلك يختزل مواقفه بمدى مواقف قائده الأعلى؛ فإن ما يقوله هو الذي يحدد توجيهاتهم وأفكارهم، على الرغم من الانتقال من النقيض إلى نقيض آخر يعاكسه، بغض النظر عن الطائفة والعرق والمنطقة.

ويشيع هذا في المناطق التي تتفشى فيها الأمية والفقر وشيوع القيم العاطفية والانفعالية.

ثانيًا: التعصب الطائفي

يعبّر الإعلام أحيانًا عن نمط متعصب طائفيًا، بغض النظر عن صواب المبادئ أو خطئها، ويتصاول المختلفون على المنابر الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل انفعالي؛ إذ يرى أن الخصم على خطل تام، وأنهم هم وحدهم يمثلون الحقيقة التي لا نظير لها.

ومن الجدير بالذكر أن هذا النمط الإعلامي لا يوحده نسيج فكري، وإنما هم أشتات، يجمعهم أمر واحد هو التعصب الطائفي ليس غير.

ونرى أن بعضًا من إعلاميي هذا التوجه يبدلون جلودهم وأيديولوجياتهم، فيتحولون من النقيض إلى النقيض، أو يوهمك بإخلاصه الوطني حين يدافع عن الشعب ويهاجم أعضاء مجلس النواب الذين يصفهم بأوصاف حيوانية، وحين يصبح عضوًا في مجلس النواب يختفي صوته تمامًا.

ثالثًا: الانحياز والتسقيط السياسي

يتميز نمط آخر بانحيازه إلى توجه سياسي معين، ويعلي من شأن زعمائه، ويسعى إلى تسقيط خصومه بشتى الوسائل والأساليب.

إن الإعلام، والحالة هذه، يفتقر إلى المنهجية العلمية القائمة على الربط بين الأسباب والنتائج، كما يعبّر في الوقت نفسه عن غياب الحوار. وإذا حصل حوار ما، فإنه لمجرد توزيع المكاسب وتحقيق المصالح الذاتية.

رابعًا: التبعية للأجندات الخارجية

تتمثل في تبعية الإعلام لأجندات خارجية دولية وإقليمية، الأمر الذي يجعلها نسخة تتبنى مفاهيم هذه الجهات وتدافع عن مصالحها، وتتغير مواقفها بحسب التغيرات والتوجيهات التي تأتيها من هذه الجهات.

ولقد تحاورت ذات يوم مع مسؤول، طلبت منه أن تكون الصحف التي يصدرونها والقنوات التي يديرونها عراقية خالصة؛ لأن ما يصدر عنها، بمجرد ذكر خبر واحد، يدل على أنها تابعة إلى هذه الدولة الإقليمية. فلاحظت استياءه وعدم ارتياحه، ثم رد عليّ بأننا لا نستطيع أن نخسر من يمدون لنا يد العون.

وآلمني موقف زميل منافق، وهو يحمل شهادة عليا، وتبريره وإشادته بالإعلام الناضج لهذه الجهة. وما يصدق على هذه الجهة يصدق على غيرها في تبعية مميتة.

ولا يعني هذا أن هذه الاتجاهات الإعلامية تتميز بتحددها التام؛ إذ إنها تتداخل وتتقاطع في أحايين كثيرة، الأمر الذي يقود إلى كثير من التعصب والتشتت، بحيث تولّد من هذا موقف «اللارأي»، وهي حالة تهيمن على شرائح واسعة من المجتمع العراقي، ويعبّر هذا عن حالة من الاغتراب ويقود إلى اللامبالاة إلى حد كبير.

أما إعلام التواصل الاجتماعي فهو في حالة فوضى عارمة، لا تحده حدود ولا تحكمه ضوابط، والغريب أن هذا يسهم في إحباط المتلقي وعدم ثقته بأي خبر.

2

يتعرض العراق منذ سنوات عديدة إلى حرب إعلامية، هدفها إثارة الفتنة وإحداث البلبلة بين مكونات الشعب العراقي.

إذ ليس من قبيل المصادفة أن تنشر مواقع التواصل الاجتماعي مشروع برنامج لإحدى الوزارات يحاكي، إلى حد كبير، رغبات شرائح عديدة من المجتمع العراقي، غير أن الوزارة تنفي هذا الخبر جملة وتفصيلًا.

كما أنه ليس من قبيل المصادفة أيضًا أن تنشر مواقع التواصل الاجتماعي خبرًا عن اجتماع متوهم لمجلس الوزراء، وتبادر إلى نشره جهات إعلامية حكومية، ثم تنفي بعد ذلك عقد الاجتماع.

لا شك أن هناك عقلًا مركزيًا يوحد هذه الأعمال وينظمها ويبثها في أوقات معينة، من أجل التشويش وإعطاء معلومات كاذبة ومضللة، كما أن انتشارها لفترة قصيرة من الزمن يجعلها قابلة للتصديق.

ونستعير مصطلح «قابل للتصديق» من المفكر الجزائري مالك بن نبي، حين تحدث عن القابلية للاستعمار. والقابلية للتصديق هنا أن الإنسان العراقي، بشكل عام، يصدق ما يُنشر في أغلب الأحوال على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكثر من هذا أنه يشعرك بأنه أعلم ببواطن الأمور، فيعيد إنتاج الخبر مرة أخرى، وقد يضيف إليه تحليلات كثيرة وكأنها معلومات متحققة فعلًا.

وتعد ظاهرة التسقيط واحدة من الآليات التي يتم استخدامها على مستويات عليا ودنيا، وتشمل أناسًا آخرين يقومون بمهام تعليمية ومهنية، والهدف من هذا كسر إرادة الآخر حقًا أو باطلًا. وأكثر من هذا أن تخدم أهدافًا ذاتية أو مصلحية محددة؛ بمعنى أن المخلص والنزيه لا يستطيع مقاومة تيار التخريب المقصود، فيُتهم بشتى التهم من أجل أهداف قريبة رخيصة.

إن اختلال منظومة القيم في المجتمع العراقي قاد إلى إحداث تغيرات كبيرة في شرائح المجتمع.

أذكر أن أحد موظفي السفارة العراقية، في إحدى البلدان التي اضطر العراقيون إلى السفر إليها من أجل العمل بمبالغ زهيدة في أثناء فترة الحصار، كان يشكو من كثرة التقارير التي يكتبها بعض العراقيين ضد بعضهم الآخر. ربما كانت مجرد أعمال قام بها بعضهم، ومن المؤسف أن من بينهم حملة شهادات عليا، الأمر الذي يؤكد أن الجامعات تمنح حاملي هذه الشهادات علمًا، ولكنها ليست مسؤولة عن منحهم قيمًا وأخلاقًا.

ومن الجدير بالذكر أن بعض القنوات الفضائية ليس لها سوى إثارة الجدل والفتن، فهي تدس السم بالعسل. إن هذه القنوات تزرع الألغام في نفوس المواطنين، الأمر الذي قاد إلى حساسيات مفرطة تتجلى نتائجها على صفحات التواصل الاجتماعي.

وتحولت صفحات التواصل الاجتماعي إلى أداة تُستخدم فيها كل الأسلحة القذرة، بمواقفها وألفاظها وأدواتها؛ بذاءةً وتكفيرًا، ناهيك عن أخبار كاذبة تتحدث عن وفاة فنانين ورياضيين وغير ذلك.

ومن الغريب أن يتحول بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى تصديق أي خبر، مهما كان نوعه؛ إذ يمكنك أن تكتب أي خبر كاذب عن شخصية حقيقية أو وهمية، وعندها تجد التعليقات، دون تثبت، بالويل والثبور وعظائم الأمور.

ويقوم بعضهم بإعادة إنتاج هذه الأخبار ونشرها مرة ومرة، على الرغم من أن الهجوم قد تم توجيهه إلى شخصيات نزيهة شريفة.

وتحوّل قسم من هذه الممارسات إلى مماحكات حقيقية في الواقع؛ فحين يجد أحدهم أنك تمثل معيقًا لرغباته في عمل وظيفي أو نحوه، يهددك عشائريًا وحزبيًا، وربما بأكثر هذه الكتل بطشًا وتنكيلًا.

وهذا ما حصل فعلًا في مواطن كثيرة، وتطال كثيرًا من الناس لدرجة التصفية الجسدية، والأمثلة كثيرة.

✦كتابات في الميزان✦

يشخّص المقال أزمة الإعلام العراقي بوصفها خللًا في الاستقلال والمهنية قبل أن تكون ضعفًا تقنيًا، متتبعًا صلاته بالحزب والطائفة والنفوذ الخارجي. كما يضيء خطورة انتقال التضليل إلى منصات التواصل، حيث تتحول القابلية للتصديق وإعادة نشر الأخبار إلى أدوات لإرباك المجتمع وتسقيط الأفراد وصناعة «اللارأي».

الاعلام.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!