كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

مقتلُ صيادٍ عراقي: السيادةُ في مواجهةِ الحقِ في الحياةِ 

 أعادَ حادثَ مقتلِ صيادِ عراقيٍ وإصابةٍ آخر، إثرَ اعتراضِ زورقِ صيدٍ عراقيٍ في المنطقةِ البحريةِ الفاصلةِ بينَ العراقِ والكويت، طرحا إشكاليةً قانونيةً وسياسيةً تتكررُ كلما امتزجتْ اعتباراتُ الأمنِ الحدوديِ بقواعدِ القانونِ الدوليِ وحقوقِ الإنسان، فالدولُ تملك- بلا شك- الحقَ في حمايةِ سيادتها وحدودها، إلا أنَ هذا الحقَ ليسَ مطلقا، وإنما تحكمهُ ضوابطُ قانونيةٌ دقيقة، وفي مقدمتها مبدأ الضرورةِ والتناسب، ولا سيما عندما يتعلقُ الأمرُ بمدنيينَ غيرِ مسلحين.
   إنْ صحتْ المعلوماتُ المتداولةُ بأنَ زورقَ الصيدِ دخلَ المياهَ الإقليميةَ الكويتيةَ بصورةٍ غيرِ مشروعة، فإنَ ذلكَ يشكلُ مخالفةً لقواعدِ قانونِ البحار، ويمنحُ السلطاتِ الكويتيةَ حقَ اعتراضِ الزورقِ واتخاذِ الإجراءاتِ اللازمةِ لإنهاءِ المخالفة، إلا أنَ مجردَ الدخول غير المشروع إلى البحرِ الإقليميِ لا يجيز، في ذاته، اللجوء إلى استخدامِ القوةِ المميتةِ ضدَ الصيادين، لأنَ قواعدَ القانونِ الدوليِ تميزُ بوضوحٍ بينَ إنفاذِ القانون، وبينَ الأعمالِ العسكرية.
   لقدْ منحَ اتفاقُ الأممِ المتحدةِ لقانونِ البحارِ لعامِ 1982 الدولةِ الساحليةِ سيادة على بحرها الإقليمي، بما يخولها تنظيم الملاحةِ والصيدِ واتخاذِ التدابيرِ الكفيلةِ بحمايةِ أمنها ومواردها، غير أنَ هذهِ الصلاحياتِ تمارسُ في إطارِ القانونِ الدولي، الذي يفرضُ أنْ تكونَ وسائل إنفاذِ القانونِ متدرجة ومتناسبة معَ طبيعةِ المخالفة، فالقاعدةُ العامةُ تقضي بأنْ تبدأَ السلطاتُ بالإنذار، ثمَ المطاردة، ثمَ وسائل الإيقافِ غير المميتة، ولا يجوزُ الانتقالُ إلى استخدامِ السلاحِ الناريِ إلا إذا كانَ هناكَ خطرٌ حقيقيٌ ووشيكٌ يهددُ حياةَ أفرادِ القوةِ الأمنيةِ أوْ أشخاصَ آخرين.
  تعززُ المحكمة الدولية لقانونِ البحارِ هذا الاتجاه، منْ خلالِ اجتهاداتها التي أكدتْ أنَ استخدامَ القوةِ أثناءَ اعتراضِ السفنِ يجبُ أنْ يكونَ استثناء، وأنْ يكونَ في الحدودِ الدنيا اللازمةِ لتحقيقِ الغرضِ المشروع، كما أنَ الفقهَ الدوليَ استقرَ على أنَ إطلاقَ النارِ بقصدِ القتلِ ضدَ سفنٍ مدنيةٍ لا يمثلُ وسيلةً اعتياديةً لإنفاذِ قوانينِ الحدودِ أوْ الصيد، ما لمْ تتحولْ الواقعةُ إلى تهديدٍ أمنيٍ جسيم.
   منْ زاويةِ القانونِ الدوليِ لحقوقِ الإنسان، فإنَ الحقَ في الحياةِ يمثلُ أحدَ أسمى الحقوقِ المكفولةِ في العهد الدوليّ الخاصّ بالحقوقِ المدنيةِ والسياسية، الذي يعدُ كلّ منْ العراقِ والكويتِ منْ الدولِ الأطراف فيه، ويترتبُ على ذلكَ أنَ أيَ حرمانٍ منْ الحياةِ منْ جانبِ موظفي الدولةِ يجبُ أنْ يخضعَ لاختبارٍ صارمٍ يقومُ على معيارِ الضرورةِ المطلقة، وأنْ يكونَ استخدامُ القوةِ هوَ الخيارَ الأخيرَ بعدَ استنفادِ الوسائلِ الأقلِ ضررا. 
    فإذا كانَ الأشخاصُ المستهدفونَ صيادينَ مدنيينَ غيرَ مسلحين، فإنَ عبءَ إثباتِ مشروعيةِ استخدامِ القوةِ يقعُ على عاتقِ الدولةِ التي استخدمَ موظفوها تلكَ القوة. ولا يختلفُ الأمرُ في التشريعِ الكويتي، إذْ إنَ القواعدَ الجنائيةَ المنظمة لاستعمالِ السلاحِ منْ قبلِ رجالِ الأمنِ لا تمنحُ حصانة مطلقة، وإنما تقيدَ استخدامُ القوةِ بحالاتِ الدفاعِ الشرعيِ أوْ الضرورةِ التي تستوجبها مهامُ إنفاذِ القانون، فإذا تجاوزَ الموظفُ العامُ حدودَ الضرورة، أوْ استخدمَ قوةً غيرَ متناسبةٍ معَ الخطرِ القائم، فإنَ مسؤوليتهُ الجنائيةَ والشخصيةَ قدْ تقومُ وفقا لأحكامِ قانونِ الجزاء، فضلاً عنْ إمكانِ مساءلتهِ تأديبيا.
في المقابل، فإنَ التشريعاتِ العراقية، تحظرُ على الصيادينَ تجاوزَ الحدودِ البحريةِ للدولِ المجاورة، وتفرضُ عليهمْ الالتزام بمناطقِ الصيدِ المقررة، وبالتالي، فإنَ دخولَ المياهِ الإقليميةِ الكويتية- إذا ثبتَ وقوعه- قدْ يشكلُ مخالفةً قانونيةً تستوجبُ المساءلةَ وفقا للقوانينِ المنظمةِ للصيدِ والملاحة، لكنهُ لا يسقطُ الحماية القانونية التي يتمتعُ بها الصيادونَ بوصفهمْ مدنيين، ولا يبررُ تعريض حياتهمْ للخطرِ إلا في أضيقِ الحدودِ التي يجيزها القانونُ الدولي.
      أما منْ حيثُ المسؤوليةُ الدولية، فإنَ المسألةَ تتوقفُ على نتائجِ التحقيقِ الرسمي، فإذا ثبتَ أنَ إطلاقَ النارِ كانَ مخالفا لقواعدِ الضرورةِ والتناسب، فإنَ ذلكَ قدْ يرتبُ مسؤوليةَ الدولةِ عنْ فعلٍ غيرِ مشروعٍ دولي، بما يوجبُ إجراء تحقيقٍ فعالٍ ومستقل، ومحاسبةْ المسؤولين، وتقديم تعويضٍ مناسبٍ لذوي الضحيةِ والمصاب، وهوَ ما استقرَ عليهِ القضاء الدولي، ومبادئ مسؤوليةِ الدولِ عنْ الأفعالِ غيرِ المشروعة. في المقابل، إذا أثبتَ التحقيقُ أنَ أفرادَ القوةِ الأمنيةِ واجهوا خطرا حقيقيا يهددُ حياتهم، وأنَ استخدامَ السلاحِ كانَ الوسيلةَ الوحيدةَ لدرءِ ذلكَ الخطر، فإنَ المسؤوليةَ القانونيةَ قدْ تنتفي أوْ تتقلصُ بحسبِ ظروفِ الواقعة. ولهذا فإنَ إصدارَ الأحكامِ السياسيةِ أوْ الإعلاميةِ قبلَ اكتمالِ التحقيقِ لا يخدمُ العدالة، ولا يسهمُ في كشفِ الحقيقة.
   تمثلُ هذهِ الحادثةُ سياسيا، اختبارا لطبيعةِ العلاقاتِ العراقيةِ الكويتيةِ التي شهدتْ خلالَ العقودِ الأخيرةِ تطورا ملحوظا نحوَ التعاونِ وحلِ الملفاتِ العالقةِ بالوسائلِ السلمية، ومنْ مصلحةِ الدولتينِ التعامل معَ الواقعةِ بمنطقِ القانونِ لا بمنطقِ التصعيد، لأنَ الحوادثَ الحدوديةَ البحريةَ غالبا ما تكونُ نتيجةْ أخطاءٍ ملاحيةٍ أوْ سوء تقديرٍ أكثر منْ كونها أعمالاً عدائيةً مقصودة.
    إنَ احترامَ سيادةِ الدولِ وحمايةِ حدودها لا يتعارضُ معَ احترامِ الحقِ في الحياة، بلْ إنَ القانونَ الدوليَ جمعَ بينَ المبدأينِ في منظومةٍ واحدةٍ تجعلُ منْ حمايةِ الإنسانِ غايةً لا تقلُ أهميةٌ عنْ حمايةِ الإقليم. ومنْ ثم، فإنَ أيَ معالجةٍ قانونيةٍ سليمةٍ لهذهِ الواقعةِ ينبغي أنْ تنطلقَ منْ تحقيقٍ قضائيٍ مستقلٍ وشفاف، يكشفُ حقيقةَ ما جرى، ويحددُ مدى مشروعيةِ استخدامِ القوة، ويضمنُ محاسبةَ المسؤولِ أنْ ثبتَ تجاوزهُ للقانون، معَ توفيرِ جبرِ الضررِ للضحايا، بما يحفظُ العدالة، ويصونُ العلاقاتِ بينَ البلدين. 
 في النهاية، فإنَ حادثةَ مقتلِ الصيادِ العراقيِ لا ينبغي أنْ تقرأَ بوصفها مجردَ نزاعٍ حدودي، وإنما باعتبارها اختبارا حقيقيا لالتزامِ الدولِ بسيادةِ القانون، ولقدرةِ قواعدِ القانونِ الدوليِ وقوانينِ الدولتينِ على تحقيقِ التوازنِ بينَ مقتضياتِ الأمنِ واحترامِ الكرامةِ الإنسانية، فالحدودُ تحمي بالقانون، كما تحمي حياةْ الإنسانِ بالقانونِ أيضا، ولا يجوزُ أنْ ينتصرَ أحدُ المبدأينِ على الآخر.

✦ كتابات في الميزان ✦

يناقش المقال حادثة مقتل صياد عراقي في المياه الحدودية بين العراق والكويت من منظور قانوني، مؤكدًا أن حماية الحدود حق سيادي لكل دولة، لكنه يجب أن يمارس وفق قواعد القانون الدولي التي تشترط الضرورة والتناسب في استخدام القوة. كما يوضح أن تجاوز الحدود البحرية – إذا ثبت – يعد مخالفة قانونية، لكنه لا يبرر استخدام القوة المميتة ضد مدنيين غير مسلحين إلا في حالات استثنائية. ويخلص المقال إلى أن الوصول إلى الحقيقة يتطلب تحقيقًا مستقلًا وشفافًا يحفظ حقوق الضحايا ويصون العلاقات بين البلدين بعيدًا عن التصعيد.

الخليج_العربي.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!