كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

حياءٌ على أعتابِ الخلود

عندما يحين العاشر من المحرّم، تتحوّل كربلاء إلى رهفٍ يختلج قلوب المؤمنين، وإلى دمعةٍ تعجز الكلمات عن ترجمة معانيها. فهناك مواقفُ لا تحتاج إلى شاهد يثبتها؛ لأنّها تشهد لنفسها، ولا تحتاج إلى راوٍ يقصّها؛ لأنّها خُلِّدت في وجدان المحبّين قبل أن تدوّن في بطون الكتب.
 
ومن بين أبرز تلك المواقف يقف رجلٌ لا يشبه الرجال، هو أبو الفضل العبّاس (عليه السلام)، الذي لم يكن أخًا للحسين (عليه السلام) فحسب، بل كان عينه التي يُبصر بها، ويده التي يبطش بها، وقلبه الذي يطمئنّ إليه، وسنده الذي إذا اشتدّت الخطوب وجد عنده القوّة، والثبات.
 
في كربلاء لم تكن الجراح كلُّها تنزف دمًا، فهناك جراحٌ لا ترى، ولكنّها تُدمي القلوب. ومن أشدّها ذلك المشهد الذي يعجز أمامه القلم، حين بلغ الحسين (عليه السلام) موضع أخيه العبّاس(عليه السلام) ، وقد أثخنته الجراح، وأضناه النزف، وامتزج ماءُ العلقميِّ بدمه الطاهر، فسال وفاءً لم تلدِ الأرحامُ مثله.
 
جلس الحسين عنده (عليهما السلام) ، ومسح التراب عن وجهه الشريف، ومدّ يديه المرتجفتين بحنان الأخ، فرفع رأس قمر بني هاشم، ووضعه في حجره، وكأنّه يريد أن ينتزع لحظاتٍ أخرى قبل أن يؤخذ منه، ثمّ ناداه بحرقةٍ لا يعرفها إلّا قلبُ أخٍ تسلب منه نصفُ روحه: "أخي... يا عبّاس... افتح عينيك... حدِّثني." (روايةٌ أدبيّةٌ متداولة في كتب المقاتل) . أيُّ قلبٍ كان يحمله الحسين؟ وأيُّ قلبٍ كان يحمله العبّاس؟. ذاك أخٌ يرى الدنيا تنتزع منه مَن هو أعزُّ عليه من روحه أمام عينيه، وهذا أخٌ لا يفكِّر بألمه، ولا بجراحه، بل كان يفكِّر: كيف سيبقى أخوه بعده وحيدًا؟ . 
 
تقول الرواية الأدبيّة إنّ الحسين (عليه السلام) وضع رأس العبّاس في حجره، فإذا بالعبّاس يزيحه برفقٍ وأدب، فقال له الحسين (عليه السلام) : "أخي، لِمَ تُبعِدُ رأسَكَ عن حجري؟ "، فأجابه بصوتٍ أنهكه النزف، لكنّه بقي عامرًا بالأدب، والحياء: "أخي، سألتَني الماء فلم أستطع أن آتيك به، فكيف أضع رأسي في حجرك؟ وكيف أنظر في وجه سكينة، وأنا وعدتُ الأطفال بالماء فلم أوفِ لهم؟ دعني هنا... فهذا موطني الأخير." 
وفي روايةٍ أدبيّةٍ أخرى تُجسِّد عمق ذلك الوفاء، قال: "أخي، ارفع رأسي عن حجرك؛ فإنّي أعلم أنّك بعد قليلٍ لن تجد من يضع رأسك في حجره." في تلك اللحظة لم يكن العبّاس يخجل من الموت، بل كان يخجل من أن يمنح نفسه راحةً يعلم أنّ الحسين سيُحرم منها بعد دقائق.
 
يا الله... أيَّةُ روحٍ هذه التي كانت تحتضر، ولكنّها كانت تبكي لمصيبةٍ لم تقع بعد؟! لكنّها ستقع حتمًا. وأيُّ وفاءٍ هذا الذي جعل آخر همِّ العبّاس ليس ألمَه، ولا عطشَه، ولا نزفَه، بل وحدةَ الحسين بعده؟ .

لم يكن العبّاس (عليه السلام) فارسًا لأنّه حمل السيف؛ بل لأنّه حمل الوفاء حتّى آخر نفس، وحمل الأمانة حتّى آخر قطرة دم، وحمل قلبًا لم يعرف لنفسه وجودًا مع وجود الحسين (عليه السلام). كان يستطيع أن يرتوي بجرعة ماء، أو يطلب كلمة مواساة، أو أن يستسلم لوجعه، لكنّ كلّ ما كان يشغله أن لا يرى الحسين منكسرًا، وأن لا يزيد على قلبه وجعًا فوق ما يحمل من وجع. وشهق الحسين، وقبّل جبين أخيه (عليهما السلام) ، ثمّ ضمّه إلى صدره، كأنّه يريد أن يحبس روحه بين ضلوعه، لكنّ الأرواح إذا دعاها الله لا يؤخّرها احتضان، ولا يمنعها بكاء.

وقف الحسين بعد رحيل العبّاس محنيّ الظهر بلوعة الفقد، وقد خيّم على فؤاده ظلام الفراق؛ لكنّه مضى بقلبٍ أثقلته المصائب ولم توهن عزيمته، فكانت الرسالة تقتضي منه أن يُتمَّها على أرض كربلاء. أمّا العبّاس، فقد بقي شامخًا كما كان، لا تهزّه السيوف، ولا تنال من مقامه الرماح، لأنّ المقامات التي بناها الإيمان لا تزول، والقمم التي رفعها الوفاء تبقى ما بقي الدهر.
 
ولذلك، لمّا فاضت روح أبي الفضل الزكية (عليه السلام) ، قال الحسين (عليه السلام) جملته التي بقيت تبكيها الأجيال: "الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي." (بحار الأنوار، العلّامة المجلسي، ج٤٥، ص٤٢؛ ونقلها أيضًا السيّد ابن طاووس في اللهوف على قتلى الطفوف بمعناها). لم تكن هذه الكلمات رثاءً لأخٍ فحسب، بل كانت أنين قلبٍ فقد أعظم أنصاره، وأوفى إخوته، والرجل الذي ما عرف لنفسه حياةً إلّا في خدمة الحسين.
ولعلّ أعظم ما في هذا الأمر أنّه ليس حديثًا عن الشهادة، بل عن الحبّ؛ حبٍّ لا يعرف الأنا، ولا ينتظر المقابل، ولا ينتهي بانتهاء الحياة. إنّه الحبُّ الذي يجعل الإنسان يفكّر بوجع غيره وهو يغادر الدنيا.
لقد كان أبو الفضل العبّاس (عليه السلام) أعظم من كونه فارسًا، وأكبر من وصفه بطلًا، كان روحًا خُلقت لتكون فداءً للحسين... ما عاش لنفسه يومًا، ولا قاتل لنفسه يومًا، ولا إستشهد لنفسه يومًا، بل كانت حياته كلُّها تُختصر في اسمٍ واحد: "حسين."
 
ولذلك بقيت قلوب المؤمنين إذا ذُكر العبّاس (عليه السلام) تهفو إليه، فهو باب قضاء الحوائج، لأنّه بابٌ فُتح بالوفاء لسيّد الشهداء. وما قصده مهمومٌ إلّا واستحضر صورة ذلك العبد الصالح الذي نسي نفسه، ولم ينسَ إمامه، ولم ينسَ أخته، ولم ينسَ أطفال الخيام. 
 
وهكذا بقيت تلك اللحظة من أشدِّ لحظات كربلاء وجعًا؛ لحظةٌ لم يعلُ فيها صليل السيوف، بل ارتفع فيها صوت الوفاء. لحظةٌ انتصر فيها الحبُّ على الألم، والإيثار على الجراح، والأخوّة على الموت، وبقيت شاهدةً على أنّ بعض الرجال لا تُقاس عظمتهم بطول أعمارهم، بل بما يتركونه من مواقف لا يمحوها الزمان.
 
فالسلامُ على من قال له إمامُه: "بنفسي أنت يا أخي." (ورد هذا المعنى في بعض كتب المقاتل، ونقله العلّامة المجلسي في بحار الأنوار، ج٤٥، ضمن أحداث استشهاد أبي الفضل العبّاس عليه السلام).
 
السلامُ على أبي الفضلِ العبّاس (عليه السلام)، قمرِ بني هاشم، وساقي عطاشى كربلاء، وكافلِ زينب، وبابِ الحوائج، يومَ وُلِد طاهرًا، ويومَ عاش وفيًّا، ويومَ أبى أن يُريح رأسَه في حجرِ أخيه حياءً من أن يترك الحسين بعده بلا مُعين، ويومَ استُشهد عطشانًا وهو يحمل همَّ العطاشى، ويومَ يُبعث حيًّا. 
 
والسَّلامُ على الكفَّين اللتين قُطعتا نذرًا للحسين وزينب والعيال، ولم تسقطا من سجلِّ المجد، وعلى القلب الذي بقي نابضًا بالولاء حتّى آخر خفقة، وعلى العينين اللتين أُغمضتا في كربلاء، وما زالتا تفتحان في قلوب المؤمنين أبواب الصبر واليقين، فصار شجُّ النبال لهما رمزًا للنبل، والعطاء، والفداء.
 
والسَّلامُ على الحسين (عليه السلام) الذي بقي بعده يحمل الرسالة، ويودِّع أحبّته واحدًا بعد آخر، حتّى قدّم لله أعظم ملحمةٍ عرفها التاريخ.
 
 
والسَّلامُ على هيبة النساء، ورمز العفّة، وجبل الصبر، السيّدة زينب الكبرى (عليها السلام)، التي حملت رسالة الدم بعد السيف، وحفظت ثورة أخيها من أن تُدفن في رمال كربلاء، فصارت روايةُ الشهداء على لسانها حيّةً لا تموت، تتناقلها الأجيال جيلًا بعد جيل.

الحسين_عاشوراء.png

 
 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!