كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

في الجغرافيا التاريخية يقال إن الأساطير والأديان مرآة لمزاج الطبيعة

 
السؤال المهم:
هل العراقي ابن الصحراء أم ابن الماء؟
اعتدنا، منذ الدكتور علي الوردي، أن نفسر الشخصية العراقية من خلال الصراع بين البداوة والحضارة. لكن ماذا لو كان هناك عامل أقدم وأعمق من البداوة نفسها؟
ماذا لو كان الماء هو الذي صنع جانباً كبيراً من الشخصية العراقية؟
في الجغرافيا التاريخية يقال إن الأساطير والأديان ليست سوى مرآة لمزاج الطبيعة. فالإنسان القديم لم يكن يفسر العالم بالعلم، بل بالرموز والأساطير. لذلك كانت الطبيعة تكتب قصتها داخل مخيلة الإنسان.
في الهند، مثلاً، الفضيان متوقع وليس غادر مثل بلاد الرافدين. ففي الهند
 ولّدت الأنهار الكبرى أساطير التطهير والانسجام والقبول بالدورة الكونية. أما في مصر فقد أنتج النيل ذو الفيضان الهاديء المنتظم حضارة تؤمن بالنظام والاستقرار والتوازن.
لكن في بلاد الرافدين كانت القصة مختلفة.
فنهري دجلة والفرات وروافده السبعة لم يكونا كنيل مصر. كانت المياه تأتي أحياناً بشكل مفاجئ ومدمر، وقد يتحول مصدر الحياة إلى مصدر للخطر في لحظة واحدة. لذلك عاش الإنسان الرافديني في مواجهة دائمة مع طبيعة يصعب التنبؤ بها.
ولعل هذا ما يفسر لماذا تمتلئ الأساطير الرافدينية بالقلق والصراع.
في أسطورة الطوفان لا يأتي الماء للتطهير بل للتدمير.
وفي أسطورة الخلق البابلية تمثل المياه الأولى الفوضى التي يجب إخضاعها.
أما جلجامش فلا يقبل قدره بسهولة، بل يخوض رحلة طويلة في محاولة لمواجهة الموت نفسه.
إنها حضارة لا تبحث عن الانسجام مع القدر بقدر ما تحاول مقاومته.
من هنا يمكن أن نفكر بفكرة جديدة:
العراقي ليس فقط ابن الحضارة أو ابن البداوة، بل هو أيضاً ابن ماء متقلب.
فالمصري ابن نهر منتظم.
والهندي ابن نهر مقدس.
أما الرافديني فهو ابن نهر يمنح الحياة اليوم وقد يجلب الكارثة غداً.
لهذا ربما تشكلت عبر آلاف السنين شخصية شديدة الحساسية للتغيرات، سريعة التكيف، كثيرة القلق، ومتأرجحة بين الأمل والخوف.
إنها ما يمكن أن نسميه:
"الهوية المائية غير المستقرة".
فالماء ليس مجرد مورد طبيعي، بل هو مهندس خفي للخيال والأسطورة والدين والنفس الجمعية.
وربما لا يمكن فهم العراق فهماً عميقاً دون فهم العلاقة التاريخية الطويلة بين الإنسان الرافديني ومياهه المتقلبة الغادرة.
فكما صنعت الأنهار حضارة العراق، ربما صنعت أيضاً جزءاً من شخصيته.

وادي_الرافدين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!