إن السردية التي تصوّر الإمام الحسين (عليه السلام) رجلاً اندفع خلف وعود أهل الكوفة ثم اكتشف متأخراً أنه وقع في فخٍّ سياسي، ليست سردية جديدة، بل هي في حقيقتها القراءة التي تبنّتها المدرسة الأموية قديماً، وسارت عليها المدارس المناوئة لأهل البيت (عليهم السلام) والمتفرعة عنها تاريخياً.
فهذه المدارس لم تنظر إلى الحسين بوصفه إماماً معصوماً مؤيداً من الله تعالى، وإنما نظرت إليه بوصفه قائداً سياسياً خرج لمنافسة السلطة، ثم أخطأ التقدير فكانت النتيجة مقتله في كربلاء.
ومن المؤسف أن هذه القراءة لم تعد تقتصر على خصوم مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، حتى أصبحنا نسمع بعض ربيبي مدرسة الضلال، ممن يزعمون الانتساب إلى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، يرددون المضامين ذاتها التي شيدت عليها المدرسة الأموية قراءتها لنهضة الحسين (عليه السلام).
وهي مدرسة لم يتغير جوهرها وإن تبدلت أسماؤها؛ فمرة تظهر بثوب أموي صريح، وأخرى بثوب وهابي، وثالثة بثوب شيعي مزعوم، لكن القاسم المشترك بينها جميعاً هو إنزال الإمام المعصوم من مقام الإمامة الإلهية إلى مستوى السياسي الذي يخطئ ويصيب وتغلبه الحسابات الميدانية.
ولذلك نسمع اليوم من يقول إن الحسين "تورط" بدعوات أهل الكوفة، أو إنه لم يكتشف الحقيقة إلا متأخراً، أو إنه حاول التدارك بعد فوات الأوان.
وهذا الكلام ليس مجرد خطأ تاريخي، بل هو مصادمة صريحة لعقيدة الإمامية في الإمام المعصوم.
فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن قائداً سياسياً عادياً يقرأ المعطيات ثم يخطئ في الحسابات، بل كان إماماً مفترض الطاعة، مؤيداً من الله تعالى، عالماً بمصيره، مأموراً بنهضته.
لقد روى الكليني بسند صحيح عن الإمام الباقر (عليه السلام):
«فبتقدم علم ذلك إليهم من رسول الله صلى الله عليه وآله قام علي والحسن والحسين عليهم السلام».
وروى الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث الوصية المشهور:
«فوجد فيه: أن اخرج بقوم إلى الشهادة، فلا شهادة لهم إلا معك، واشتر نفسك لله عز وجل، ففعل».
فأي معنى بعد هذا للحديث عن "تورط" أو "انكشاف متأخر" أو "محاولة تدارك"؟!
بل إن الأخبار المتواترة من طرق الشيعة والسنة تنص على أن النبي (صلى الله عليه وآله) أخبر بمقتل الحسين قبل عشرات السنين من وقوعه، وحدد أرض كربلاء، وأخبر الناس بما سيجري.
والأعجب من ذلك أن الحسين نفسه كان يصرح في الطريق إلى العراق بأنه مقتول.
قال (عليه السلام):
«خُيِّر لي مصرع أنا لاقيه».
وقال:
«لا أراهم إلا قاتلي».
وقال بعدما بلغه مقتل مسلم بن عقيل:
«أما إنه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا».
فهل هذه كلمات رجل اكتشف المؤامرة متأخراً؟!
أم كلمات رجل يسير إلى تكليف إلهي يعلم منتهاه منذ البداية؟
إن وصف الحسين بأنه "تورط" هو في حقيقته إحياء للرؤية الأموية القديمة، وإن اختلفت الألفاظ وتبدلت العناوين؛ تلك الرؤية التي ترى أن الحسين خرج طالباً للسلطة فأخطأ الحساب فقتل.
أما مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) فترى أن الحسين خرج بأمر الله، وعلمٍ من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنه حقق تمام ما خرج من أجله.
ولهذا قال الإمام الصادق (عليه السلام):
«إن الله تبارك وتعالى كان قدّر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتمه ثم أجراه».
إن الفرق بين المدرستين ليس فرقاً في تحليل واقعة تاريخية فحسب، بل فرق بين النظر إلى الحسين إماماً معصوماً منفذاً لأمر الله، أو النظر إليه قائداً سياسياً أخطأ التقدير.
ولست أستغرب صدور مثل هذا الكلام ممن تربى في مدرسة اعتادت إعادة قراءة سيرة أهل البيت (عليهم السلام) بعين المؤرخ السياسي لا بعين المؤمن بالإمامة والعصمة.
فالذي يجرؤ اليوم على وصف الحسين (عليه السلام) بأنه "تورط" أو أنه لم يدرك حقيقة الموقف إلا بعد فوات الأوان، هو نفسه المنهج الذي لم يتورع بالأمس عن التعامل مع المقدسات والعناوين التي أجمع الشيعة على تعظيمها بلغة مستفزة، توحي بأن همّ صاحبها إثارة الجدل وكسر المسلمات أكثر من البحث عن الحقيقة.
والمشكلة ليست في لفظة عابرة أو تعبير غير موفق، بل في رؤية كاملة تنـزع عن الأئمة (عليهم السلام) مقامهم الإلهي شيئاً فشيئاً، حتى يتحول الإمام المعصوم إلى زعيم سياسي يخضع لكل الحسابات التي يخضع لها سائر الناس، ويصبح نجاحه وفشله رهيناً بذكائه الشخصي وتقديراته الميدانية.
والمشكلة لا تنحصر في استعمال مفردة "الذكاء" أو عدم استعمالها، فحتى لو قيل إن الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهما السلام) كانا على الدرجة نفسها من الذكاء والفطنة، فإن الإشكال يبقى قائماً ما دامت القضية تُقرأ بوصفها عملية تحليل سياسي بشري.
فمقتضى هذا التصور أن الإمام الحسن (عليه السلام) أدرك حقيقة المؤامرة التي كانت تحاك ضده في الوقت المناسب، فأحسن التعامل معها وتدارك الموقف قبل أن ينتهي إلى مقتله، بينما لم يلتفت الإمام الحسين (عليه السلام) إلى حقيقة ما يجري إلا بعد أن تجاوزت الأحداث نقطة اللاعودة، فوجد نفسه أمام مصير لم يكن يتوقعه منذ البداية.
وهذا بعينه هو مضمون الدعوى وإن جرى التعبير عنها بألفاظ أخرى؛ لأنه يجعل الفرق بين الموقفين فرقاً في تشخيص الوقائع وقراءة المعطيات وتقدير النتائج، أي فرقاً في اجتهاد سياسي بشري، لا فرقاً في تكليف إلهي صادر عن إمامين معصومين.
أما مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) فلا تنظر إلى صلح الحسن ونهضة الحسين بهذه الطريقة أصلاً، لأن كليهما لم يتحرك بوصفه قائداً سياسياً يبحث عن الخيار الأكثر نجاحاً وفق المعطيات المتاحة، وإنما بوصفه إماماً معصوماً ينفذ ما أمره الله تعالى به.
فالحسن (عليه السلام) لم يصالح لأنه اكتشف ما لم يكتشفه الحسين، والحسين (عليه السلام) لم ينهض لأنه أخطأ في قراءة الواقع الذي أحسن الحسن قراءته، بل الحسن أدى تكليفه الإلهي، والحسين أدى تكليفه الإلهي، وكلاهما كان على بصيرة تامة بعاقبة أمره وما ينتهي إليه مساره.
ومن هنا فإن تصوير أحد الموقفين على أنه ثمرة اكتشاف مبكر للمؤامرة، وتصوير الآخر على أنه نتيجة انكشاف متأخر لها، لا ينسجم مع عقيدة الإمامة والعصمة، بل يعيد تفسير أفعال الأئمة (عليهم السلام) بمنطق الساسة وقادة الحركات البشرية، لا بمنطق الحجج الإلهيين الذين يتحركون وفق العلم الإلهي والتكليف الرباني.
وقد أحسن فقيه أهل البيت (عليهم السلام) سيدنا الاستاذ محمد سعيد الحكيم (ره) حين قال في كتابه القيم والمتميز في بابه (فاجعة الطف):
«إن تفسير نهضة الحسين بأنها مشروع بشري أخطأ في حساباته ظلم لسيد الشهداء واستهوان بنهضته المقدسة».
ولا ريب أن هذا الظلم قد اعتاده أهل البيت (عليهم السلام) من خصومهم وأعدائهم عبر التاريخ، فليس غريباً أن يصدر من أموي أو ناصبي أو ممن لم يعرف للأئمة مقامهم.
غير أن الألم كل الألم حين يُسمع هذا المعنى نفسه من شخص يدّعي الانتساب إلى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، ويتحدث بلسان التشيع، ثم ينتهي به الأمر إلى إعادة إنتاج السردية التي شيدها خصومهم بحقهم.
ولذلك قيل قديماً:
وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً
على النفسِ من وقعِ الحسامِ المُهنَّدِ
فإن الجرح الذي يأتي من الخصم متوقع، أما الجرح الذي يأتي ممن يرفع شعار الانتماء والمودة فهو أشد إيلاماً وأعظم وقعاً.
رحم الله امرأً عرف للحسين (عليه السلام) مقامه، ولم يُنزل إمام الهدى إلى مستوى السياسيين الذين يتخبطون بين الخطأ والصواب.
فمثل هذه العبارات ليست مجرد هفوات لغوية، بل كاشفة عن مقدار الابتعاد عن الرؤية الإمامية الأصيلة في فهم مقام الأئمة (عليهم السلام) ونهضاتهم ومواقفهم.
وهنا حقاً... سقط القناع.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!