كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الأثر النفسي للانشودة الحسينية

 في اللحظة التي تُطلَق فيها الصواريخ باتجاه العاصمة الإيرانية، وتعلو ألسنة اللهب في الأبنية، يرتفع مشهدٌ يبدو للوهلة الأولى متناقضًا؛ منصةٌ تُنصَب، وحشودٌ تتجمهر حولها، ورادودٌ يعتليها ليرتل الأناشيد واللطميات، فيما تهتف الجموع رفضًا للظلم، ودعمًا للقادة في غرف التخطيط، وللجنود في محطات الإطلاق وصحاري المواجهة.

لكن، ماذا يعني ذلك في وقتٍ تعبر فيه الصواريخ فوق رؤوسهم؟
ما الغرض العقائدي الذي تؤديه هذه الفعاليات؟
وما الأثر النفسي الذي تتركه تلك الأناشيد؟
بالعودة إلى حقبة الثمانينيات، وخلال الحرب العراقية–الإيرانية، كانت تصل إلى صدام حسين مقاطع للرادود صادق آهنگران وهو ينشد قصيدة "الحسين وكربلاء" في جبهة القتال، بين المقاتلين، يعلق صدام : "لولا هذا البلبل لما انتصر خميني".
وفي سياقٍ لاحق، خلال حرب العراق ضد تنظيم داعش، تكرّر المشهد ذاته؛ أناشيد وهوسات تسبق المواجهات وتليها، ودوائر حماسية يصنعها المقاتلون وهم يرددون ويهتفون بأسلحتهم، في طقسٍ جماعي يعيد إنتاج المعنى وسط أجواء الخطر.
غير أن السر لا يكمن في الإنشاد بوصفه وسيلة، فالأطراف المقابلة أيضًا امتلكت أناشيدها الحماسية، وأطلق تنظيم داعش بدوره مواد دعائية مشابهة، لكنها لم تُحدِث الأثر ذاته.
وهنا يكمن الفارق.
من الناحية العقائدية، لا تتحدد فاعلية الأناشيد في صوتها أو إيقاعها، بل في بنيتها المعنوية؛ إذ يستحضر المجتمع الشيعي، عبر أناشيده وهوساته، أحداث معركة كربلاء، ليقيم مقارنة دائمة بين الماضي والحاضر، تُعاد فيها صياغة أطراف الصراع: في كل زمنٍ ثمة يزيد، وثمة حسين.

ضمن هذا الإطار، يُعاد تعريف:

الظالم والمظلوم،
ويُلغى الحياد بوصفه خيارًا، باستحضار مواقف المتقاعسين في كربلاء،

لتتغذى بذلك فكرة متجذرة في الوعي: "كل أرض كربلاء، وكل يوم عاشوراء"، مقرونةً بفكرة "انتصار الدم على السيف"، حيث لا يُقاس النصر بنتيجة المعركة المباشرة، بل بقدرة القضية على الاستمرار بعد انتهائها.

ومن هنا، لا يعود الانتصار مرهونًا ببقاء قائد أو حسم ميدان، بل بتحقيق الأهداف حتى بعد الخسارة العسكرية الظاهرة، وهو ما يفسر كيف يُستعاد "نصر كربلاء" في كل مواجهة، رغم اختلال موازين القوة.

وإذا عدنا إلى الأناشيد، فإن هذه المنظومة الفكرية لا تُطرح نظريًا، بل تُغرس في وعي الفرد عبر اللطميات والمجالس والنعي، بوصفها وسيطًا ثقافيًا يعيد تشكيل الإدراك الجمعي.
ولعل جذور ذلك تعود إلى ساحة كربلاء نفسها؛ حيث كان المقاتل، كلما برز، يرتجز ويعلن انتماءه، ويستحضر تاريخه، أو يستلهم بطولات علي بن أبي طالب، في تأكيدٍ على أن القتال ليس فعلًا فرديًا، بل امتدادٌ لسلسلة رمزية متواصلة.

أما من الناحية النفسية، فهذه الأناشيد لا تبيع الوهم بقدر ما تعيد تفسير الواقع، وتُسهم في إعادة تشكيل الذات داخليًا عبر عدة آليات:

يتجسد الشعور بالانتماء في قول الحسين بن علي: "هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً"، حيث يتحول البقاء من التزامٍ مفروض إلى اختيارٍ حر، ما يجعل الانتماء أعمق رسوخًا لأنه قائم على القناعة.

ويتجلى تقليل الخوف في قوله: "أولسنا على الحق؟... لا نبالي أن وقعنا على الموت أو وقع الموت علينا"، حيث لا يُلغى الخوف، بل يُعاد تعريف الموت بوصفه نتيجةً طبيعية لمسارٍ واضح، لا نهايةً عبثية.

أما خلق معنى للموت، فيظهر في المقولة: "الموت لنا عادة، وكرامتنا من الله الشهادة"، حيث يتحول الموت من خسارة إلى امتدادٍ لقيمة عليا.
وفي ذروة ذلك، تتشكل الهوية الجماعية في قول حبيب بن مظاهر: "والله لو قُتلت ثم أُحييت ثم قُتلت حتى أُقتل هكذا ألف مرة، ما تركتك يا حسين"؛ حيث لا يعود الفرد كيانًا مستقلًا، بل يذوب في قضية، ويتحول الانتماء من علاقة شخصية إلى هوية جمعية تتجاوز المصلحة إلى الموقف.

الاطفال_الحسين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!