«في المجتمع الحديث، أصبح الفرد مشروعًا، والآخرون عوائق»
في أحد الأفلام التي تناقش الصراع بين الخير والشر، يعيش مجتمع الخير مخاضًا عميقًا بين ما هو خير قائم بذاته، وما هو خير لا يتشكّل إلا بوجود طرفٍ مضاد هو الشر. في سياق هذا الصراع، سمعتُ حوارًا رنّ في مسامعي طويلًا:
«كان الخير حقيقيًا وصادقًا في الماضي، وهذا الخير لا يتماشى مع عصر الكمال الأناني».
من هنا، أصبح لزامًا علينا أن نطرح عدة إشكاليات:
هل تبلور مفهوم الخير كما تبلورت كثير من المفاهيم الأخرى؟
وما هو الكمال الأناني؟
والسؤال الأهم: هل نمارس الخير الصلب أم الخير السائل؟
وهل يُعقل أننا نعيش داخل فقاعة الكمال الأناني من دون إدراك أو شعور؟
يتطرّق زيغمونت باومان في كتابه «الأخلاق في عصر الحداثة السائلة» إلى منظومة واسعة من الأخلاقيات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، ويدرس تحوّلاتها بين عصر الحداثة الصلبة وعصر الحداثة السائلة، ولا سيما في ما يخص المجتمع والعلاقات الإنسانية. إذ يشير إلى الفكرة القائلة إن:
«الإنسان المثالي هو ذلك الذي يجرؤ على أن يفكّر لنفسه، ساحقًا تحت قدميه التعصّب والتقاليد والمعتقدات الشعبية، باختصار أن يسحق كل ما يستعبد الروح».
يشكّل هذا التصوّر المسند الذي يرتكز عليه مفهوم الكمال الأناني؛ إذ تقوم الفكرة التي يستند إليها هذا المفهوم على أن الفضائل السامية، كالخير والأخلاق، تُجنَّد من وجهة نظر شخصية. فالخير لم يعد مفهومًا قائمًا بذاته، بل يُوصَف بالخير فقط لأنه يخدم مصلحة فردية محددة.كما أن الدعوة القائلة: «أن تحبّ لجارك ما تحبّ لنفسك» تبدو، في منطق العصر السائل، مناقضة للعقل الذي تحكمه مصلحة الذات والبحث عن السعادة الفردية. فالمستحق للمحبّة هو من يشبهنا إلى حدٍّ كبير، لدرجة أن الفرد يحبّ نفسه فيه، أو من يكون أكثر كمالًا منه، فيحبّ فيه النموذج الذي تصبو إليه ذاته.
إن الوجه المضيء لمبدأ حبّ الجار قائم على إدراك قيمة اختلافنا، واحترامنا لتفرّد كل واحد منا. أمّا الوجه المظلم، فيتمثّل في التهديد الذي يمكن أن يُشكّله الآخر لنا. فالكمال الأناني يصبو إلى استخدام الفرد لكل الإمكانات في سبيل الوصول، حتى وإن كان ذلك منافيًا للأخلاق؛ إذ تُقاس الأمور بميزان المنفعة الفردية، وتُختزل العلاقات في مقدار ما تعود به من فائدة. فالعلاقة التي لا نفع منها لا قيمة لها، والتسلّق على أكتاف الآخرين لنيل النجاح يُعدّ مهارة ودهاء، وتحقيق المظلومية على أنقاض سحق الطرف الآخر بالغدر يُبرَّر بالغاية. كما بات الشكّ بين الأفراد سمة طبيعية من سمات الحياة البشرية، حتى غدا الصراع الدائم بين الجميع حالة مألوفة، ومعظم هذه الصراعات عابرة وهامشية ولا تحمل قيمة حقيقية.
ويعزّز هذا التصوّر ما يخلص إليه أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية توماس هيلاند إريكسن، حين يرى أن «طغيان اللحظة» هو السمة الأبرز للمجتمع المعاصر، وبدعته الأكثر ابتكارًا. إذ إن عواقب العجلة المفرطة ساحقة؛ حيث يخضع كلٌّ من الماضي والمستقبل لسطوة اللحظة الراهنة، بل إن الحاضر نفسه مهدّد، لأن اللحظة القادمة تحلّ بسرعة تجعل من الصعب العيش في الحاضر. ومن هنا ينشأ منبع لا ينضب من التوتر. وهكذا، يصبح إنسان ما بعد الحداثة إنسانًا تزامنيًا، يعيش في الحاضر فقط، دون اكتراث بتجارب الماضي أو نتائج أفعاله المستقبلية.
وبالعودة إلى باومان، فإنه يؤكّد أن مفهوم المسؤولية، الذي كان في الماضي مرتبطًا بالواجب الأخلاقي والاهتمام بالآخر، بات اليوم مرتبطًا بتحقيق الذات، فأصبح الاستثمار في الذات هو مشروع الفرد الوحيد. وهنا قامت الحداثة السائلة بتجريد مفهوم التكاتف الاجتماعي، الذي يعزّزه الوجود المشترك، من قيمته. وإذا كان العلماء في الماضي يرون أن المجتمع بدعةٌ اخترعت لجعل الاجتماع الإنساني المسالم ممكنًا لكائنات أنانية بالولادة، فإن الحداثة السائلة جعلت من المجتمع حيلةً لجعل الحياة الأنانية قابلة للتحقيق لكائنات أخلاقية بالولادة، وذلك عبر الحدّ من المسؤوليات تجاه الآخرين.
إن أخطر الشرور هي تلك التي تُرتكب دون شعور بالذنب، حيث يُقدَّم الأذى على أنه حقّ شخصي أو تحقيق للذات.
وفي مقابل مفاهيم الحداثة السائلة، تقف الحداثة الصلبة، حيث يقول الإمام علي (عليه السلام):
«لا خير في خير لا يعمّ».
وهي دعوة نبيلة إلى شمولية العطاء والإيثار؛ فالخير الحقيقي هو ما يتجاوز المصلحة الفردية لتصل منفعته إلى المجتمع بأسره.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!