كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

دِبْلوماسيَّة تَقبِيل المؤخَّرة: بَيْن السُّخْرية والْخطاب السِّياسيِّ

  في ظلِ السرعةِ الكبيرةِ التي تفرضها منصاتُ التواصلِ الاجتماعي، لمْ تعدْ التصريحاتُ السياسيةُ تمرُ مرورَ الكرام، بلْ تتحولُ أحيانا إلى مادةٍ للسخريةِ وإعادةِ التأويلِ الشعبيِ ومنْ بينِ هذهِ التصريحاتِ المثيرةِ للجدل، برزَ مصطلحٌ " دبلوماسيةٍ (تقبيلُ المؤخرة) الذي اطلقهاالرئيسُ الأمريكيُ (دونالدْ ترامب) في مناسباتٍ متعددة، بوصفهِ تعبيرا ساخرا يصفُ نمطا منْ العلاقاتِ الدوليةِ يقومُ على المبالغةِ في التوددِ أوْ الخضوعِ لتحقيقِ مصالحَ معينة.
        يعكسَ هذا التعبيرِ غضبا أوْ استهجانا منْ جمهورٍ واسعٍ تجاهَ ما يرونهُ تنازلاتٍ سياسيةً أوْ اصطفافاتٍ غيرِ متوازنةٍ بينَ الدول، بالمقابل، هناكَ مصطلحُ أكثرَ أدبا ورقيا وثقاة يمكنُ استخدامه لو أراد استخدامه، وهوَ  ( تقبيلُ الأيدي )، نظرا لأنَ اليدَ رمزَ أفضلَ وأكثرَ احتراما منْ المؤخرة.
  إنَ استخدامَ هذا المصطلح البذئ، منْ قبلُ الرئيسِ الأمريكي الأمريكي، قدْ يكونُ مرتبطا بخلفيتهِ الاجتماعيةِ القديمة، وعاداتُ وتقاليد أجداده، الذينَ هاجروا قبلُ أكثرَ منْ قرنينِ منْ الزمنِ إلى أمريكا، واستثمروا في الحاناتِ والملاهي وصالاتِ القمار، ومعَ مرورِ الوقت، أصبحَ هذه الأقوال البذيئة، جزءا منْ ثقافتهم، حيثُ اكتسبوا ألفاظا وأقوالاً صاخبةً وسيئةً ، وقدْ ظهرَ تأثيرُ ذلكَ لاحقا في أسلوبهمْ السياسي، عندما سنحتْ لهمْ الفرصة لتولي المناصب السياسية في الدولة. 
  يعكسَ هذا الأسلوبِ، الواقعيةِ السياسية، حيثُ تعطى المصالحُ الوطنيةُ الأولويةُ على الاعتباراتِ الرمزيةِ أوْ الخطابية. فالدول، في نهايةِ المطاف، لا تتصرفُ وفقا للعواطف، بلْ بناءً على حساباتِ دقيقةٍ تتعلقُ بالأمنِ والاقتصادِ والنفوذ.
  في بعض الدول، تتمثلَ الإشكاليةُ الرئيسةُ في الفجوةِ بينَ الخطابِ الرسميِ وفهمِ الجمهورِ العام، فعندما تعرضَ سياساتٍ معقدةً بلغةِ تقنيةٍ أوْ دبلوماسية، قدْ يفسرها الجمهورُ على أنها إذلالٌ ”أو“ خضوع، مما يولدُ حالةً منْ عدمِ الثقةِ وربما السخريةُ الجماعيةُ ، ويبرزُ هنا دورَ الإعلامِ الجديدِ في تكبيرِ هذهِ الفجوة، إذْ تنتشرُ العباراتُ الساخرةُ بسرعةِ أكبرَ منْ التوضيحاتِ الرسمية، كما أنَ اعتمادَ أسلوبٍ فظٍ أوْ ساخرٍ في تناولِ العلاقاتِ الدولية، يعكسَ إلى حدِ ما تحولَ الثقافةَ السياسيةَ الرقمية، حيثُ أصبحَ الخطابُ مفتوحا للجميعِ وليسَ محصورا بالنخب، بما يشملُ تلكَ الجرأةِ أحيانا وتجاوزِ المعاييرِ التقليدية. 
  لكلٍ من وجهةَ نظر أخرى، يقودنا هذا الكلام، إلى القولِ العربيِ الشهير: ( كلُ إناءٍ بما فيهِ ينضحُ ) فهوَ تعبيرٌ عنْ حقيقةِ الإنسانِ التي لا يمكنُ إخفاؤها؛ إذْ تعكسُ أقوالهُ وتصرفاتهِ ما يختزنُ قلبهُ وعقلهُ منْ أخلاقٍ وأفكار، فالخبيثُ يظهر خبثه، والطيبْ يظهر طيبته، كما يفيضُ الإناءُ بما يحويه. إنها دعوةٌ صريحةٌ للحكمِ على الناسِ منْ خلالِ أفعالهم، التي تكشفُ أصلهمْ وعمقُ شخصياتهم. 
وفي النهاية، ما يعرفُ بــ ( دبلوماسيةً تقبيلَ المؤخرةِ ) ليسَ مصطلحٌ أكاديميٌ ، بقدرِ ما هوَ وصفٌ شعبيٌ ساخرٌ لواقعٍ معقد. 
   بينَ السخريةِ والدفاع، تبقى السياسةَ الدوليةَ ساحةً للمساومةِ والتوازن، حيثُ تتباينُ الأساليبُ وتختلف، لكنَ الهدفَ يظلُ واحدا: إدارةُ المصالحِ بعقلانية، مهما تنوعتْ الطرقُ والوجوه.

تقبيل_ترامب.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!