كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

مشروع العراق المستقل: نحو استعادة المعنى قبل استعادة الدولة

ليست أزمة العراق أزمة نظامٍ سياسي يمكن إصلاحه بتعديل دستوري أو تغيير حكومي عابر، بل هي في جوهرها أزمة معنى عميقة أصابت العلاقة بين الإنسان ووطنه، حتى أصبح الانتماء ذاته محل تساؤل، وأضحى الوطن في وعي كثيرين مساحة اضطرار لا مساحة اختيار، وهذا التحول هو أخطر ما يمكن أن تمر به أمة عبر تاريخها، لأن الدول لا تسقط حين تضعف مؤسساتها فقط، بل حين يفقد المواطن إيمانه بها، وحين تتحول الدولة من فكرة جامعة إلى عبء نفسي ومعيشي، عندها تبدأ الهزيمة الحقيقية التي لا تُرى في نشرات الأخبار ولا تُقاس بموازين القوة التقليدية، بل تظهر في تفاصيل الحياة اليومية، في لغة الناس، في شكواهم، في انكفائهم على ذواتهم، وفي بحثهم الفردي عن النجاة بدل السعي الجماعي للبناء
 
لقد مر العراق خلال عقود متتالية بسلسلة من الصدمات المركبة التي أعادت تشكيل وعيه الجمعي بصورة عميقة، من الحروب الطويلة إلى الحصار القاسي ثم الانهيارات السياسية والصراعات الداخلية، فتراكمت الخبرات السلبية في ذاكرة المجتمع حتى تشكل نمط من التفكير يمكن وصفه بالوعي المتعب، وهو وعي لا يثق بسهولة، ولا يصدق الوعود، ولا يرى في المستقبل إلا امتدادًا للماضي، وهذا النمط من الوعي هو النتيجة الأشد تأثيرًا لما يُعرف بالحرب الخفية، وهي الحرب التي لا تستهدف تدمير الدولة مباشرة، بل تفكيك الإنسان الذي يحملها، وقد أشار إلى هذا المعنى مبكرًا صلاح نصر حين بيّن أن الصراع الحقيقي لا يدور فقط حول الأرض، بل حول العقول التي تفسر تلك الأرض وتمنحها قيمتها
 
في ظل هذا التفكك النفسي، لم يعد العراق يعاني من اختلاف سياسي طبيعي يمكن أن يُدار ضمن إطار الدولة، بل من انهيار في مفهوم الواقع نفسه، حيث تعددت الحقائق وتضاربت الروايات، فأصبح لكل جماعة تصورها الخاص عن الوطن، ولكل وسيلة إعلام روايتها الخاصة للأحداث، ومع غياب مرجعية مشتركة للواقع، يفقد المجتمع قدرته على اتخاذ موقف موحد أو حتى فهم مشترك لما يجري، وعند هذه النقطة يتحول الخلاف من كونه اختلافًا في الرأي إلى كونه اختلافًا في الوجود، لأن من لا يتفقون على تفسير الواقع لا يمكنهم الاتفاق على تغييره
 
وقد لعبت الطائفية دورًا مركزيًا في هذا التحول، ليس فقط بوصفها انقسامًا اجتماعيًا، بل باعتبارها عملية اختزال فلسفي للإنسان، حيث تم تقليص هوية الفرد من كونه مواطنًا كامل الانتماء إلى كونه تابعًا لهوية فرعية، ففقدت الدولة بذلك أحد أهم شروطها وهو وجود مساحة مشتركة يتساوى فيها الجميع، ومع هذا الاختزال لم يعد الصراع يدور حول برامج أو رؤى، بل حول هويات، وحين تتحول السياسة إلى صراع هويات فإنها تفقد قدرتها على إنتاج حلول، وتتحول إلى إدارة دائمة للأزمات
 
إن أخطر ما في هذا المشهد أن النخب انشغلت طويلًا بالصراع على السلطة، بينما كان الصراع الحقيقي يجري في مكان آخر، في وعي المواطن ذاته، لأن من ينجح في تشكيل هذا الوعي يستطيع أن يحدد اتجاه الغضب، ويصوغ أولويات المجتمع، ويوجه طاقاته، وبالتالي فإنه يحكم فعليًا حتى لو لم يكن في موقع رسمي، وهذا ما يجعل من إعادة بناء الوعي المدخل الحقيقي لأي مشروع وطني جاد، لأن الدولة لا تُبنى من الأعلى فقط، بل من القاعدة النفسية والفكرية التي يستند إليها المجتمع
 
ومن هنا ينطلق مشروع العراق المستقل، ليس بوصفه برنامجًا سياسيًا تقليديًا يسعى إلى استبدال سلطة بأخرى، بل باعتباره محاولة لإعادة التأسيس من الجذور، بدءًا من استعادة المعنى الذي فُقد، فالوطن لا يمكن أن يكون مجرد حدود جغرافية أو مؤسسات إدارية، بل يجب أن يُعاد تعريفه كقيمة يعيشها الإنسان في كرامته اليومية وشعوره بالانتماء ومسؤوليته تجاه الآخرين، وهذه الاستعادة للمعنى هي الخطوة الأولى في إعادة بناء الثقة، لأن الثقة لا تُفرض بقرارات ولا تُصنع بالشعارات، بل تُبنى عبر تجربة متراكمة يشعر فيها المواطن بأن هناك اتساقًا بين القول والفعل، وعدالة في التطبيق، وصدقًا في الخطاب
 
ولا يمكن تحقيق ذلك دون توحيد الرواية الوطنية، فالدولة لا تقوم على تعدد الحقائق المتناقضة، بل على وجود سردية مشتركة يفهم من خلالها المواطن تاريخه ويحدد موقعه في الحاضر ويتصور مستقبله، وهذه السردية لا تعني إلغاء التنوع، بل تنظيمه ضمن إطار جامع يمنع تحوله إلى صراع، ويعيد توجيهه ليكون مصدر قوة لا عامل انقسام، وفي هذا السياق يصبح الإعلام عنصرًا حاسمًا، ليس باعتباره ناقلًا للأحداث، بل بوصفه صانعًا للمعنى، ومن هنا تبرز ضرورة تحصين الوعي من الاختراق، لأن الأمن في العصر الحديث لم يعد أمنيًا بالمعنى التقليدي فقط، بل أصبح أمنيًا فكريًا ونفسيًا وثقافيًا
 
إن إعادة الاعتبار للإنسان تمثل جوهر هذا المشروع، فالدولة ليست أبنية ولا مؤسسات فحسب، بل هي قبل ذلك شعور الفرد بأنه مرئي ومسموع ومحترم، وأن له دورًا حقيقيًا في تشكيل مستقبله، وحين يستعيد الإنسان هذا الشعور، فإنه يستعيد ثقته بنفسه أولًا، ثم بوطنه ثانيًا، ومن هنا تبدأ عملية التحول الكبرى من حالة العجز إلى حالة الإمكان، لأن الشعوب لا تُهزم حين تخسر معركة، بل حين تقتنع بأنها عاجزة عن النهوض
 
إن التاريخ يقدم لنا دروسًا واضحة في هذا السياق، فالهزائم في ذاتها لا تحدد مصير الأمم، بل الطريقة التي تُفهم بها تلك الهزائم، فقد تكون نهاية إذا فُسرت كقدر محتوم، وقد تكون بداية إذا فُسرت كدرس يجب تجاوزه، وهنا يكمن الفارق بين المجتمعات التي تبقى أسيرة جراحها، وتلك التي تحوّل هذه الجراح إلى وعي جديد يدفعها نحو التغيير
 
وعليه فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن تنشغل به النخب ليس كيف تصل إلى السلطة، بل كيف تعيد بناء الإيمان بالدولة في وعي المواطن، لأن كل مشروع سياسي مهما كان متماسكًا سيظل هشًا إذا لم يستند إلى هذا الإيمان، وكل إصلاح مؤسسي سيبقى محدود الأثر إذا لم يرافقه إصلاح في البنية النفسية والفكرية للمجتمع
 
إن مشروع العراق المستقل هو في جوهره دعوة لإعادة ترتيب الأولويات، بحيث يتقدم بناء الإنسان على بناء النظام، ويتقدم استعادة الثقة على استعادة السيطرة، ويتقدم إصلاح الوعي على إصلاح المؤسسات، لأن هذه العناصر ليست متوازية، بل مترابطة على نحو يجعل إهمال أحدها سببًا في فشل البقية
 
وفي الختام يمكن القول إن الأوطان لا تُستعاد بالقرارات وحدها، ولا تُبنى بالقوة فقط، بل تُبنى حين يؤمن بها أبناؤها من جديد، وحين يتحول هذا الإيمان إلى فعل يومي يتجسد في السلوك والعمل والمسؤولية، وعندها فقط يمكن للعراق أن ينتقل من حالة التردد والشك إلى حالة الثقة والاستقرار، لا بوصفه دولة قائمة فحسب، بل بوصفه فكرة حيّة في وجدان شعبه، وهذه هي المعركة الحقيقية، معركة استعادة المعنى التي تسبق كل معركة أخرى وتحدد نتائجها.

العراق.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!