دخلت الحرب بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة أخرى أسبوعها الثاني في تصدٍ واضح وصمود قوي غير متوقع من قبل إيران، ويبدو أن حسابات أمريكا وإسرائيل كانت غير دقيقة! حيث راهنوا، أو هكذا تصوروا، أن إيران سوف تنهار خلال أيام، وخاصة بعد مقتل المرشد الأعلى السيد علي خامنئي وعدد من القادة الكبار، إلا أن إيران أظهرت صموداً عالياً وتصدياً لكل الهجمات العنيفة التي قام بها الطيران الأمريكي والإسرائيلي، الذي بلغ عدد الطائرات المغيرة في إحدى الطلعات الجوية 200 طائرة! وذكرت الأخبار بأن عدد الأهداف التي قُصفت في إيران بلغ أكثر من 3000 هدف! ولم تكتفِ إيران بالصمود بل ردت على تلك الهجمات بضربات صاروخية طالت عشرات المدن في إسرائيل بما فيها تل أبيب ومطار بن غوريون. وقد كشفت الكثير من التقارير الإخبارية ووسائل الإعلام عن حجم الدمار الهائل والكبير الذي أحدثته تلك الصواريخ، وهنا لا بد من الإشارة أن الضربات الصاروخية المؤثرة لإيران على إسرائيل في حرب الـ(12) يوم التي جرت من (12 إلى 24/ يونيو، حزيران/ 2025) هي التي دفعت أمريكا أن توقف الحرب!.
كما أن إيران في هذه الحرب نفذت وعودها بضرب كل المصالح الأمريكية بالمنطقة! فلم تكتفِ بضرب القواعد الأمريكية في دول الخليج، بل قصفت حتى قواعد أمريكا في تركيا وقبرص وأذربيجان!! . الشيء الملفت في هذه الحرب أن دول الخليج تعرضت إلى القصف من قبل إيران، وهذا يحدث لأول مرة! حيث لم تتوقع أن نار الحرب ستطالها! فهذه الدول لم تتضرر من قبل في كل الأحداث التي جرت ومرت على المنطقة ، ولم تدخل في أية حرب حدثت في المنطقة العربية وتحديداً منطقة الخليج حتى (في غزوة الكويت!) ، فهذه الدول تعمل بشعار (منا المال ومنكم الرجال!)، في المقابل أن إيران لم تأبه بكل التصريحات الإعلامية الخليجية التي أدانتها بسبب القصف، وكانت ترد عليهم بأنها لا تقصدهم بل تقصد القواعد الأمريكية لديهم!!
ولربما صار يقيناً لدى الجميع بأن استمرار الحرب بدون حسم سيؤدي إلى توسيع رقعتها! ومن وجهة نظري أرى أن توسيع رقعة الحرب ودخول أطراف خارجية يصب في صالح إيران، لاسيما أن إيران لديها ورقة ضغط قوية ومؤثرة وهو (مضيق هرمز!) الحيوي والاستراتيجي، حيث إن ربع صادرات العالم النفطية تمر عبره، ومن الطبيعي أنه في حال إغلاقه بالكامل (حالياً جزء منه مغلق) سيؤدي إلى إرباك كبير في اقتصاديات الكثير من دول العالم، كما أنه سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط أكثر (بلغ سعر برميل النفط الآن 100 دولار).
أرى، وقد يتفق معي الكثيرون، أن الحرب الجارية الآن هي حرب (كسر العظم، فإما أن تكون أو لا تكون!)، فإذا انتهت الحرب بنفس صورة حرب الـ(12) يوم (بلا غالب ولا مغلوب!)، فهذا معناه كسر هيبة وقوة أمريكا وإسرائيل أمام علو شأن إيران، حيث ستخرج أكثر قوة وهيبة، وسوف تدخل أية مفاوضات قادمة مع أمريكا بشأن البرنامج النووي والصاروخي من موقف القوة، وسوف لن تستطيع أمريكا فرض أي شيء عليها! فالرؤوس تساوت كما يقال بالمثل! كما أن ذلك يعني تغييراً في موازين القوى في المنطقة، ليس لصالح إسرائيل وحدها بل لإيران معها، وهذا ما تخافه أمريكا وبريطانيا وإسرائيل!! وبالتالي ستكون الطريق سالكة أمام إيران للمضي ببرنامجها النووي والصاروخي وأية برامج تسليحية أخرى! ومن الطبيعي أن كل ذلك سيحقق حلم إيران بأن تكون إمبراطورية كما كانت قبل 2500 عام.!
أرى ومن وجهة نظري كمراقب للأحداث وقد يتفق معي الكثيرون، أن أمريكا دفعت ثمن العلاقة بينها وبين إيران إبان فترة الرئيس الأسبق (أوباما) الذي فاز بدورتين انتخابيتين لمدة 8 سنوات، وأيضاً إبان فترة الرئيس (بايدن) والتي امتدت لأربع سنوات، وكلاهما من الحزب الديمقراطي، حيث اتسمت تلك الفترة (12 سنة) بالهدوء، وخاصة بعد (توقيع الاتفاق مع إيران في 2/ نيسان/ 2015 بشأن برنامجها النووي)، حيث لم تشهد العلاقات أية توتر وتصعيد إعلامي، مما سهل وفسح المجال لإيران أن تمضي قدماً في برامجها التسليحية النووية منها والصاروخية، وكذلك أن تتمدد بالمنطقة!؟.
من جانب آخر، إن هذه الحرب جاءت فرصة كبيرة للصين وروسيا، حيث الحرب الباردة بينهم وبين أمريكا! فمن الطبيعي أنهم سيقدمون كل ما يستطيعون لإيران من أسلحة حديثة، وكذلك من معلومات أمنية واستخبارية، وهذا ما تحتاجه إيران.!
أرى أن إسرائيل نجحت في أن تجر الولايات المتحدة للحرب والمواجهة المباشرة بينها وبين إيران!! (وليس كما حدث في حرب الـ12 يوم، حيث كانت أمريكا طرفاً ثالثاً في تلك الحرب)، وهذا من شأنه أن يؤثر كثيراً على صورة أمريكا أمام حلفائها بالعالم، لأنها لم تستطع أن توفر لهم الحماية! (تحديداً وخاصة دول الخليج)، ناهيك عما ستسببه من حرج للرئيس ترامب أمام الكونغرس وأمام الحزب الجمهوري خاصة!.
حقيقة أن دول الخليج في حال لا يُحسدون عليه! فإن استمروا بالسكوت على القصف الإيراني عليهم، فهذا سيشجع إيران بقصفهم أكثر! وإذا أُجبروا على الرد فهذا معناه نهايتهم! فهم ليسوا أهل حرب وشجاعة، بل أهل مكر وخبث وخداع!
وفي مقال نشرته على هذا الموقع بتاريخ 20/2/2026 بعنوان (الصراع الأمريكي الإيراني، متى وكيف سينتهي؟)، أعود هنا لأعيد نفس السؤال! كيف ستنتهي هذه الحرب، وهل هناك خاسر وهل هناك منتصر؟ أرى أن إيران ستخرج منتصرة من هذه الحرب! فهي تراهن على النفس الطويل في الحرب وفي المفاوضات أيضاً، وأن إيقاف هذه الحرب بأي صورة معناه انتصار واضح لإيران!!
كما أن رهان ترامب على الداخل الإيراني وانتفاضة الشعب قد أصبح رهاناً خاسراً! حيث إن ترامب قد فقد مصداقيته لدى الشعب الإيراني، حيث لم يقدم لهم وينفذ أي وعد وعدهم به في انتفاضتهم الأخيرة، وعلينا أن لا ننسى بأن القيادة الإيرانية قد أحكمت قبضتها على الداخل الإيراني بشكل قوي.
ومن جانب آخر، إن الحرب أججت المشاعر الوطنية والقومية لدى الشعب الإيراني للوقوف مع قيادته في ظروف الحرب، على عكس ما كانت تتصوره أمريكا وإسرائيل.!
وأخيراً أرى أن إيران تراهن على التحمل والصمود والنفس الطويل في هذه الحرب، وهذا ما لا تمتلكه أمريكا ولا إسرائيل
ولننتظر ونرى.
التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!