كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

التوفير في المصارف العراقية .. ادخار أم ابتلاء ؟!

التوفير في المصارف العراقية .. ادخار أم ابتلاء ؟!

المصارف ( البنوك ) في العالم اجمع يوحدها هدف واحد وهو تحقيق المنفعة للجهات المالكة والجمهور واقتصاد البلاد ، ولتحقيق  مختلف الغايات فان المصارف تفتح عدة حسابات للشخص الطبيعي ( الأفراد بحد ذاتهم  ) والمعنوي ( شركات او جمعيات او غيرها ) ، ومن أنواع الحسابات المألوفة  في اغلب المصارف عالميا وفي العراق  ( التوفير ، الجاري ،الودائع الثابتة لأجل ، الوديعة بإشعار ، الاستثمار ، وحسابات الشركات والمؤسسات ) ، وحسابات التوفير الأكثر شيوعا و يلجا إليها الأفراد لإيداع مبالغ معينة ( مشروعة )  بقصد الادخار ، وهي تحقق منفعتين الأولى للفرد باستثمار جزء من أمواله الفائضة عن الحاجة بأمان والاستفادة من الفوائد ( بنسب مئوية معلنة ) التي يمنحها المصرف ، والثانية للمصرف بالاستفادة من الأموال المودعة في تشغيلها من خلال الخدمات المصرفية التي يقدمها سواء الإقراض او غيرها ، والمصرف يجني أرباح من تلك الخدمات لان فائدة الإقراض ( مثلا ) أعلى من الفائدة التي تقدم لحساب الادخار ، وفي الكثير من البلدان تلجا المصارف الحكومية والأهلية بتشجيع التوفير لما له من مردود على كل الأطراف ( الأشخاص ، المصرف ، الاقتصاد ) ، ونتذكر في العقود السابقة كانت مكاتب البريد تفتح ( دفتر توفير للأفراد ) لجذب المدخرات ، وكان يتم الاعتماد عليها لأنها منتشرة في مناطق عديدة وقريبة من السكان بعكس المصارف التي كان لها عدد محدود من الفروع .
وحسابات التوفير أكثر رواجا  للكثير من العراقيين لان فيها فائدة سنوية ولان صاحب الحساب بإمكانه الإيداع والسحب متى يشاء فهو حر في التصرف بماله وهو من يختار ، وخلال عقود وسنوات طويلة كانت ولا تزال الحكومات العراقية تشجع  الادخار بالتوفير لأنه يسحب السيولة الفائضة ويجعلها لدى المصارف للاستفادة منها في حركة النقد  ، وقانون المصارف رقم 94 لسنة 2004 روج لتأسيس المصارف الأهلية لتعمل في القطاع المصرفي إلى جانب المصارف الحكومية ، وقد شجع الادخار بالتوفير لان حساباته من محركات القطاع المصرفي ، ومع حالة الانتعاش في إيرادات البلاد  وصدور قوانين تراعي توزيع الدخل على المواطنين بعد ( التحرير )  ، حصلت ( بحبوحة ) انتعاش مالية  لدى شرائح من المجتمع موظفين وعاملين في مختلف المجالات ، لذا زاد الإقبال على فتح حسابات التوفير للادخار وحفزت ذلك  تصريحات محافظ  البنك المركزي  بأنه ضامن للأموال ، والمودعون   وضعوا أموالهم في المصارف بهدف استثمار المال المدخر مع فوائده لتحقيق غايات وأحلام ، منهم كانت له أمنيات  الزواج او البناء او شراء وحدة سكنية او الدراسة او توفير رأس المال لتأسيس مشاريع بعد أن  أطلق العنان للقطاع الخاص ، ورغم إن مصارفنا المحلية لم تكن مهيأة لهذه ( النهضة )  في التوفير ، إلا إنها استقطبت أكثر مما يمكن من حسابات التوفير واغلبها استخدمتها كاستثمارات وضمانات للمشاريع و في عدة مجالات .
ومن المؤسف القول ، إن البعض من المصارف ( الأهلية ) وفي غفلة الناطور ،  خانت أمانة المواطن عندما أودع أمواله  فيها ولم تكن بمستوى الثقة والمسؤولية  ، فبدا بعضها بالنكول عن مواثيقها من خلال وضع قيود على أموال المودعين مرة من خلال السماح بالسحب بالقطارة ومرة من خلال الامتناع عن تلبية طلبات السحب ، وبعضها توارت عن الأنظار وغلقت مكاتبها وفروعها وأبقت بعض الموظفين ممن ليست لا يملكون معالجات وليست لديهم إجابات غير التهدئة والتخدير ، ورغم إن ذلك بدء بعد سنين قليلة من نفاذ قانون المصارف ، إلا إن الأمور افتقدت للحلول وشجعت مصارف أخرى لاستخدام ذات الأسلوب بلا معالجات والقضية أخذت تنتشر لتشمل اليوم تريليونات الأموال للمدخرين  ، واغلب المطالبات والمناشدات التي تقدم بها المودعين لم تجد حلول ، فالبنك المركزي يقول إن الموضوع يخضع لإجراءات بموجب القانون وأقصى عقوباته سحب الإجازة  والتصفية والحجز التي تنتهي بقسمة الغرماء التي لا تعوض المنهوب  ، والحكومة تقول إن الموضوع يتعلق بالبنك المركزي وهو هيئة مستقلة ومن الممكن اللجوء للقضاء ، والقضاء يعدها قضية بداءة وينتهي الأمر بوضع اليد  على موجودات المصرف وتلك الموجودات تمت تصفيتها من قبل هذا وذاك رهنا او بالبيع ، ومن خطايا ذلك تبخرت أحلام وأمنيات الكثير وهم بانتظار حلولا لم تنجز منذ سنوات ، وخلالها فقدت اغلب  أموالهم قيمتها الشرائية خلال السنوات بفعل التضخم الذي ينمو كل عام كما خسروا الفرصة في توظيف أموالهم كما يتمنون  .
ونحن نتكلم عن هذا الموضوع ، فإننا نخص عددا من المصارف الناكلة المعروفة وليس الكل  ، ولكن الغريب بالموضوع إن تلك الظاهرة تسللت عدواها لبعض المصارف الحكومية ، ففي مشاهدة لأحد فروع مصرف كبير في بغداد ، فقد امتنع المصرف عن تلبية سحب الزبون وابلغوه بإمكانية سحب مبلغ 500 ألف دينار ودفتر توفيره فيه رصيد بمبلغ يزيد عن 70 مليون ، ومصارف أخرى تستبدل إيداعات الدولار بالدينار العراقي على أساس سعر الصرف الرسمي  ( 1320 دينار ) ، وبشكل عام لا يجد المودع ( أفرادا وشركات ) استجابة لطلبات السحب كلا وأحيانا جزءا تحت ذريعة نقص السيولة  ، ويجري كل ذلك والجهات المعنية في الدولة تصرخ بأعلى الأصوات إن البلد يعاني من أزمة سيولة نقدية ، مما يؤجل تنفيذ المشاريع ودفع المستحقات وتأخير دفع الرواتب والمنافع ، وهي صرخات لا تجدي نفعا وتجعل الجميع في مأزق كبير ، فمن لديه المال قد لا يقوم بإيداعه لأنه لم يؤمن على رصيده ، وذلك انعكس على الاقتصاد بالانكماش والجأ المواطن لتحويل أمواله للذهب والعقارات والدولار مما رفع الأسعار ، وال 100 تريليون دينار التي هي كتلتنا النقدية الوطنية  باتت تدخر في ( البطل ) كأيام زمان بعد أن تحول الادخار إلى ابتلاء ، وهناك من يتساءل لماذا تترك بعض المصارف على هواها دون عقاب رغم إن أعمالهم أنتجت وتنتج  تخريب للاقتصاد ؟! .  

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!