بعد غياب تام للموازنة الاتحادية لعام 2026، بسبب ظروف الانتخابات وتشكيل الحكومة وما مرّ على البلد من أزمات مالية، أحدثها إغلاق مضيق هرمز الذي تمر من خلاله أغلب صادرات نفط العراق، باشرت الحكومة إعداد الموازنة الاتحادية لعام 2027، تمهيدًا لمناقشتها وإقرارها في مجلس الوزراء، وعرضها للمصادقة في مجلس النواب خلال تشرين الأول المقبل.
وإن تم ذلك، فإنها ستكون المرة الأولى التي يتم فيها الالتزام بالتوقيتات التي حددها قانون الإدارة المالية رقم 6 لسنة 2019 بهذا الخصوص.
وما يميز موازنة 2027 ليس توقيتها فحسب، وإنما طريقة إعدادها التي تعتمد أسلوب موازنة البرامج والأداء. وإن تم إقرارها قبل نهاية عام 2026، فستشكل سبقًا في تطبيق مفرداتها منذ بداية السنة المالية في 1/1/2027. وذلك حدث لم نشهده منذ سنوات، عندما كان تنفيذ الموازنات الاتحادية يبدأ بعد مرور شهور من نفاذ السنة المالية.
ما موازنة البرامج والأداء؟
موازنة البرامج والأداء «Program and Performance Budgeting» هي نظام مالي لإعداد الموازنة العامة يربط بين التخصيصات المالية والأهداف والنتائج الفعلية، بدلًا من التركيز فقط على بنود الصرف التي طُبقت في موازنات السنوات السابقة.
وهو أسلوب مطبق في كثير من دول العالم، وفي أغلب الدول العربية ودول المنطقة. والفرق الجوهري بين موازنة البنود وموازنة البرامج والأداء يكمن في أن الأولى تركز على نوع النفقات «المدخلات»، بينما تركز الثانية على الأهداف والنتائج «المخرجات والكفاءة».
وتعتمد فكرتها الأساسية على تبويب النفقات وفقًا للأنشطة والبرامج والأهداف الواضحة، مثل: برنامج معالجة البطالة، وبرنامج مترو بغداد، والكهرباء، وبناء المدارس، وربط التخصيصات المالية بحجم الإنجاز، بما يضمن قياس كفاءة الأداء الحكومي وفعاليته، وتعزيز الشفافية والمساءلة.
كما تتيح معرفة تكلفة كل نشاط أو وظيفة وما تحقق مقارنةً بالإنفاق، وذلك ضروري في بلد مثل العراق يعاني هدر الأموال وتفشي الفساد وضعف ظهور نتائج إنفاق أكثر من تريليون دولار خلال العشرين سنة الماضية.
تجربة الورقة البيضاء والتطبيق المختلط
رغم الرأي القائل إن موازنة الأداء سبق تطبيقها من خلال ما تضمنته «الورقة البيضاء» عام 2021، بوصفها خارطة طريق لمعالجة الأزمة المالية وإصلاح الاقتصاد على المدى المتوسط، فإنها ستُطبق بشكل أوسع ومختلط في موازنة 2027، ويمكن أن تعتمد منهاجًا ملزمًا للسنوات المقبلة.
وحسب بيانات وزارة المالية، من المتوقع تخصيص مبلغ 150 تريليون دينار لموازنة البنود لأغلب الوزارات والمحافظات وإقليم كردستان، باعتبارها نفقات حاكمة لفقرات الرواتب والدعم الذي يشمل عددًا من الفقرات، وتخصيص 50 تريليون دينار لموازنة البرامج والأداء، منها 30 تريليونًا لوزارتين ومحافظتين، و20 تريليونًا للمشاريع واجبة التكملة، ومنها المتلكئة بسبب الأزمة المالية والظروف.
وفي حالة تطبيقها بشكل أوسع، فإنها ربما تعالج المشكلات التي تعاني منها البلاد فيما يخص المصادقة على الحسابات الختامية؛ إذ لا يزال مجلس النواب، حتى اليوم، في طور مناقشة الحسابات الختامية للسنوات 2012–2015 والمصادقة عليها.
وفي موازنة البرامج والأداء، يمكن المقارنة بين المبلغ المخصص والمصروف الفعلي والنتائج، بما يتيح الرقابة المستمرة على الإنفاق.
تحديات الإيرادات وتصدير النفط
رغم الاعتقاد بأن العمل بموازنة البرامج والأداء سيكون انطلاقة مهمة في تخصيص الأموال والرقابة عليها، فإن هناك مَن يشكك في قدرة الحكومة على الالتزام بمضامينها بهذا التوقيت، لأسباب عديدة، أبرزها القدرة على توفير متطلباتها من الإيرادات المخمنة التي تبلغ أكثر من 200 تريليون دينار.
ويأتي ذلك في ظل الوضع الأمني السائد في المنطقة، الذي يعيق انسياب حصة العراق من صادرات النفط المقررة بموجب «أوبك+»، والتي لا تزال تشكل أكثر من 85% من مجمل الإيرادات.
وفي هذا الخصوص، يطمئن وزير النفط بأن صادرات النفط الحالية تقترب من مستوى ثلاثة ملايين برميل يوميًا، باعتماد تكتيكات جديدة تبتعد عن الأساليب التقليدية في التصدير بحرًا، من خلال اعتماد الناقلات الأم العملاقة بدلًا من السفن المكوكية الصغيرة في نقل الصادرات إلى خارج مضيق هرمز في منطقة خليج عُمان، ومن هناك يتم تسليم النفط.
وحسب خبراء، فإن ذلك يسهم في مسألتين: الأولى زيادة الصادرات، والثانية التخلص من الخصومات التي تتراوح بين 25 و27 دولارًا لكل برميل. كما بدأت شركة تسويق النفط العراقية «سومو» المطالبة بتطبيق علاوات سعرية تبلغ دولارين عن كل برميل مباع خارج منطقة المضيق.
نعم للموازنة... ولكن
نقول: نعم لموازنة البرامج والأداء التي طال انتظارها لسنوات، ولكن من المهم ألا يكون تطبيقها لأجل تجريب شكل جديد من الموازنات، وإنما للاستفادة من مزايا هذا الأسلوب في بلوغ الأهداف التنموية والاقتصادية والاجتماعية من تخصيصات أموال الشعب والأجيال، والاستخدام الرشيد للموارد بما يقلل الهدر والفساد ويمنعهما.
ومن المهم أيضًا ألا يكون تطبيقها دافعًا لزيادة المديونية تحت غطاء معالجة العجز، أو التضييق على محدودي ومعدومي الدخل بفرض الضرائب والرسوم، أو تغيير سعر صرف الدولار مقابل الدينار لأي مسوغ كان.
والإصرار على التطبيق يجب أن يكون ساريًا حتى وإن تغيرت أحوال المنطقة سوءًا. ومن المؤكد أن موازنة من هذا النوع لا تتحمل المزايدات، ولا تعمل بالمزاجات؛ لأنها ستضع الأموال أمام النتائج، والمسؤول أمام ما تحقق بالفعل.
وربما ستواجه مقاومة للتغيير من بعض الأطراف، والمطلوب أن تتفوق الإرادة الإيجابية باتجاه تأييد التغيير الصحيح ودعمه، دون تأجيل أو تعطيل.
❖ كتابات في الميزان ❖
يشرح المقال أهمية انتقال العراق من موازنة البنود التقليدية إلى موازنة البرامج والأداء التي تربط الإنفاق بالنتائج والإنجاز الفعلي. ويعرض التخصيصات الأولية المقترحة، ودورها المحتمل في تعزيز الرقابة والشفافية ومعالجة تأخر الحسابات الختامية. كما يناقش تحديات التطبيق المرتبطة بتقلب الإيرادات النفطية واضطراب التصدير، محذرًا من تمويل العجز بزيادة الديون أو فرض أعباء جديدة على محدودي الدخل.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!