قال اللهُ تعالى: ﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ (الملك: 22)
اللهُ سُبحانه وتعالى خَلَق الإنسانَ لا ليكون كائنًا جامدًا، يُؤْثر السكون على الفعل، بل حَرَكةً متواصلة، وماهية تتكامل عبر الزمن، وهويّة خُلِقت لا لتستقر بل لتكمل مشوار التحوّل.
ولأنّه مُخيّر في السّير بين مضمارين، فهو إذن يعيش بين ضفّتي الوجود؛ بين حدّين متناقضين، كلاهما يقودان إلى وجهٍ من أوجه الحقيقة: حدّ تزكية النّفس لكي تمضي نحو كمالها وتطوي مراتب الإنسانية، وتسير من الخلق إلى الحق، وحدّ فيه الانحدار والتمزّق والسقوط في حضيض التعلق والغرق في مستنقع التّشظّي وانكسار السموّ والاغتراب عن اللطيف.
إنّ المِعيار الذي يُميّز بين مسيريّ التّكامل التسافل لا تُحدده الشكليات من العبادات، بل مقياس أكثر دقة وعمقًا، إنَّه الوعي.
فالإنسان مرآة وعيه، ومقامه بما يتّسع له وعيه بنفسه، وسرّ وجوده، وبالمخلوقات والموجودات من حوله. حينما تبدأ مرحلة طيّ المراتب؛ فهو بِقَدرِ ما يُدرك جواهر الأمور وحقائق الأشياء بِقَدر ما يكون أكثر استعدادًا وشوقًا للتكامل والسموّ.
وهذا الطريق، في بُعده الظاهري، لا تعانق فيه الأرواحُ النعيمَ دون عناء، بل هو سبيلٌ موحشٌ، ومتاهاتُهُ تُغلّفُهُا العقباتُ.
ولأنَّ صراع مواجهة الوهم والخيال المزيّف من اجل بناء الوعي في جوهره يتقاطع مع المصالح ويصطدم بالزيف. فهو طريق لا يثبت عنده إلا الصادقون، ولا يطيقه المتحيّرون ولا يكمل مشواره إلا الصفوة ممن ثبت، وهم القليلون، وهذا ما عبّر عنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بقوله: " أَیُّهَا النَّاسُ لَا تَسْتَوْحِشُوا فِی طَرِیقِ الْهُدَی لِقِلَّةِ أَهْلِهِ ...".
إنَّ الحقيقة حينما تلوح تفيض على صاحبها سكينة وطمأنينة وتملؤه وعيًا يمحو به الأوهام المصطنعة ويبدد سراب الأحلام المزيّفة، وهنا ينهض سؤالٌ، يطوف بالعقول باحثًا عن جواب: هل من أدرك الحقيقة وسار في الدروب الموحشة واحتمل مواجهة الزّيف يعاني شقاءً وآلامًا أم ذلك في الظاهر، وأنَّه في الباطن يعيش الراحة والسعادة والطمأنينة ؟
هنا تلتقي الرؤية الدينية مع أعمق ما توصل إليه التأمل الوجودي؛ فهذا الفيلسوف الرواقي ورجل الدولة الروماني ماركوس أوريليوس له مقولة شهيرة من كتابه Meditations، يقول: الألم الحقيقي ليس في الأحداث نفسها، بل في تقييمنا لها. إذا غيّر الإنسان نظرته، فإن ما كان معاناة يصبح حافزًا لتوازن داخلي وراحة ذهنية.
لذلك فإن المشكلة الحقيقية ليست في ألم ومعانات الصراع، بل في فقدان المعنى وغياب الإيمان الحقيقي بقدسية الأهداف التي يحملها.
قد يكون المسلك صعبًا والطريق وعرًا وشاقًا، وقد تعترضه الصخور، وقد تحيط به قيود الزمان والمكان، لكن الوعي والإيمان كفيلان بمدّ الإنسان بالعزيمة والصبر، ليتحول ذلك الصراع الى بناء وتكامل ومن ثم سموّ وسعادة وطمأنينة؛ لأنه يعلم بيقين أّن ممرات الإدراك ومنافذ الفهم وأبواب الوعي لابدّ أن تأخذ بصاحبها إلى التكامل.
لاشكّ في البناء عناء وشقاء إلا أنّ فيه الراحة والطمأنينة؛ ولذلك فإن الإنسان الواعي، حين يُبتلى، لا تجده يستسلم لرياح القلق ولا تمزّقه عواصف التشتت، بل تراه يعيش الاطمئنان لأنه يعلم أنّ الذي ابتلاه يريد له ان يتكامل، إنّه البناء الذي تشهده وتشرف عليه عين الحق، قال تعالى: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي ﴾ (طه: 39).
وتلك الكلمات التي خرجت من قلب الإمام الحسين عليه السلام وهو يرى طفله الذي طَلَب له شربة ماء فإذا به يُذبح من الوريد إلى الوريد فقال: "هَوَّنَ عليّ ما نزل بي أنّه بعين الله ".
لقد غُيّب الإمام الكاظم عليه السلام في قعر السجون لسنين، لكنه كان في قربه من الله يعيش سعادة لم يعشها سجّانيه؛ إنّ أشدّ القيود فتكًا وأكثرها إيلامًا ليست تلك التي تكبل الأيادي بل التي تقيّد العقول وتحاصر القلوب. قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ (الرعد: 28).
وكما أنَّ نور الحقيقة لا يعتريها الظلام، كذلك الباطل فإنه قاصر عن احتواء تجليات وعي الحقيقة. وفي ظل هكذا سنن وجودية تكون الوحدة والوحشة في طريق الحق ليست دليل انهيار ولا مؤشر بلاء، بل مسيرٌ واعٍ نحو مراتب التكامل. إنّ الأربعة عشر عامًا التي قضاها الإمامُ الكاظمُ عليه السلام في سجون الطاغية هارون هي في شكلها الظاهري عذابات لكن مضمونها المستودع في قلب الإمام هي ارتقاء وعروج وطيّ لمقامات؛ هي لغة لا يفقهها إلا العاشقون. الإمام عليه السلام مع ما عاناه من آلام ومِحَن ومصاعب كان فيها يزداد سموًّا، وان ظلمة السجون لم تحجب ذلك النور الذي كان يشع من جبينه وهو الذي كان يردد كثيرًا في دعائه: "اللهمّ إنّك تعلم أنّي كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك، وقد فعلت فلك الحمد."
ولو توقفنا قليلا عند قول الله تعالى:�﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا ﴾ (آل عمران: 173) نجد أنَّ المؤمن المتسلح بالوعي الراسخ والبصيرة النافذة حينما يواجه الباطل تراه يزداد صلابةً ويقينًا؛ فأصحاب الغايات والصور الواضحات لا يرهبهم التهديد ولا يزلزلهم الوعيد بل يزيدهم نورًا وثباتًا.
وهذا ما يفسر لنا ما جرى في وقعة أُحد، وقد تزلزلت القلوب واهتزت الفرائص خوفًا فارتد الجميع وولوا الأدبار تاركين رسول الله صلّى اللهُ عَليهِ وآله في أحد، إلا عليّ عليه السلام؛ هربوا معتقدين بأنّ هذا الخطر فناء ونهاية، وبقي عليّ كالجبل الثابت أمام أعاصير الرّيبة موقنًا بأنّ الخطر بناء وبداية؛
فكان رمزًا ودليلًا على أنّ الثبات ليس شجاعة عابرة انما هو انعكاس لمراتب الوعي والإيمان بإخلاص المسار وإشراق الحق، إنَّه اليقين بإنّ الموت والزوال أهون من الشرك والضلال.
والحال مماثل لما جرى في كربلاء، والتي أخلّت بها القراءة السطحية القاصرة حينما اختَصَرَتْها على أنّها مأساة وعطش وبكاء ودماء. والحال أنّ كربلاء حملتها كلمات الأنبياء، إنها وعد السماء وقد حَمَلَه الإمام عليه السلام على كتفيه وسار به إلى منتهاه؛لم يستدرجوه إنما هو من استدرجهم، ولم يقتلوه بل هو من قتلهم بوعيه وثباته؛ ولا زال يفعل.
إنّه المشهد الجميل، الذي أشارت إليه عقيلة الطالبيين زينب حينما سألها عبيد الله الذي قَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ الله بِأَخِيكِ وَأَهْلِ بَيْتِكِ؟ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ، فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ الله بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَتُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِـمَنِ الْفَلْجُ يَوْمَئِذٍ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا بْنَ مَرْجَانَةَ.
إنّها قمّة التكامل، فلا مكان للآلام والأحزان والعذابات، إنّه انقلاب الفناء إلى خلود وبقاء. لقد كان اصحاب الإمام الحسين عليه السلام، لما بلغوه من مراتب ومقامات فرحين مستبشرين يستانسون بالمنية؛ لم تكن كربلاء في جوهرها موضع نقمة بل هي نعمة، لقد حملوا المعنى البيّن، لقد تحوّل الوعي لديهم إلى وهج يقين يكشف لهم الطريق ليرتقوا في سُلّم التكامل فرحين مستبشرين لا خائفين ولا مترددين، تقودهم الطمأنينة وتملكهم السعادة. قال اللهُ تعالى:
﴿ يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي * وَٱدْخُلِي جَنَّتِي ﴾ (الفجر: 27–28).

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!