لَقَد إتّخذت المّسالك الفكريّة من العَقلِ والقلبِ دليلين من أجل بلوغ حَقيقة الأمر والوجود، فكانَ التَفَكّر سرّ الأسرار وَمَنهَج الأبرار وسياحة الروح نَحو عالم الأنوار، وهو من أفضل العبادات، بصريح القرآن في العديد من الآيات، وأكّدت عليه الأحاديث والروايات، ولكن ما أكثر العِبَر وأقلّ المُعتبرين، قال االله تعالى: ﴿ وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ [يوسف: 105]، فالذي أدرك نَصيباً من العَقل والفهم والبصيرة يُدرك بوضوح أنّ الوعي والتفكّر هُوَ المَسلَك نَحوَ النعيم والنجاةَ من الجّحيم؛ فالفكر هو حديقة الحقائق، وحدقة أنوار الدقائق وبِهِ تُصَفّى القُلوب بموارد الفَوائد، وأن العقول البشريّة حينما تُعطّل ويستشري الجهل ويُصاب الفكر بالزيغ والضلال فإنّ الإنسان حينها سيسير بقدميه مبتعداً عن جادّة الحق ومنحرفاً عن أصول الدين ومنهج العقيدة، ليعيش حالة التخبّط والحيرة ويدخل مرحلة الغَفوَة والسّكرة، والتي لا بدّ لها من صعقةٍ توقضها وَيَدٍ تنتشلها مِنَ العَمى الفكريّ، والله تعالى قد مَنَّ على البشريّة أنْ بعثَ فيهم الأنبياء والمُرسلين، واجتبى منهم الأوصياء والصالحين لحفظ شريعة السماء وهدايةِ البَشرية جمعاء وإرشادها إلى الخَير والصلاح. فكانت النُبوّة هيَ السَفارة الإلهية والخلافة الربّانية أوْدَعَها اللّه تعالى في خاصّة عباده الصّالحين فأرسَلَهُم مُبَشّرين ومُنذِرين لإخراج البشريّة من الظُلُمات إلى النُور؛ ثمّ اجتبى أئمة وهُداة يخلفون النَبي بَعد غيابه، يقومون مَقامه في هَدي الأمّة وإصلاح شأنها.
فبَعدَ النبيّ المُصطَفى مُحمد صلَّى اللّه عليه وآله، كان لا بُدَّ مِن أئمة مصطفين، هداة أبرار منتجبين، قد اختارهم الباري رحمة للعالمين، يقومون بحفظ الدين وَهدي الناسَ وإرشادهم لما فيه الخَير والصَلاح والسَعادة في الدارين، قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: 7].
ولأنّ الإمامة هي استمرار لمنهج الأنبياء فهي لا تُثَبّتُ إلّا بالنّص الإلهي على لسان نَبيٍّ أو إمام، ومن المعلوم تأريخياً أنَّ النبيّ المُصطفى صلى الله عليه وآله كانَ قد عَرَّفَ في مناسبات كثيرة بالأئمة الخلفاء من بعده، وفي هذا الشأن وَرَدت الكثير من الروايات الصحيحة، وَنَحن نكتفي بذكر حديثين لَه صلوات الله وسلامُه عليه، فعن سعد بن عبد الله بن أبي خلف قال: (حدثني: يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن عبد الله بن مسكان، عن أبان بن تغلب، عن سليم بن قيس الهلالي، عن سلمان الفارسي رحمه الله، قال: دخلت على النبي (ص) وإذا الحسين (ع) على فخذيه وهو يقبل عينيه ويلثم فاه، وهو يقول: أنت سيد ابن سيد، أنت إمام ابن إمام أبو الأئمة، أنت حجة ابن حجة أبو حجج تسعة من صلبك، تاسعهم قائمهم 1).
وفي حديث آخر عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إبن أبي عمير، عن سعيد بن غزوان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (ع) قال: (يكون تسعة أئمة بعد الحسين بن علي، تاسعهم قائمهم 2)، وهذا الحديث وغيره الكثير من الروايات الصحيحة والمعتبرة دلّت على وجوب اتّباع هذه الأنوار القدسيّة والتي نُصِّبَت بأمرٍ إلهيّ على لسان المصطفى صلى الله عليه وآله وسلّم.
إنّ منهج رسول الله صلى الله عليه وآله هو منهج إلهي، لا تحكمه العواطف والأهواء، فكل ما يصدر عنه من قول أو فعل أو موقف فهو بذلك يبين حكماً ومبدئاً وحقيقة إلهيّة، لذلك فعندما كانت دموع رسول الله تقطر على خدّيه وهو يضمّ الحسين (عليه السلام) إلى صدره يوم ولادته، ثم يتوجّه بالدعاء على مَن سيقتله، فهو في ذلك الفعل والقول يرسل رسالة إلهيّة ويبيّن موقفاً رافضاً، وهو الرسول الذي لا ينطق عن الهوى، قال تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3، 4].
فقد روي عن رسول الله صلى الله وآله أنّه جاء إلى بيت فاطمة سلام الله عليها في يوم ولادة الإمام الحسين (عليه السلام)، وقال لأسماء بنت عميس: (يا أسماء، هلمّي ابني. فدفعته إليه في خرقة بيضاء، فأذّنَ في أُذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ووضعه في حجره فبكى، فقالت أسماء: بأبي أنت وأُمي مِمَّ بكاؤك؟ قال: على ابني هذا. قلت: إنّه ولدَ الساعة يا رسول الله! فقال: تقتله الفئة الباغية بعدي، لا أنالهم الله شفاعتي، ثمّ قال: يا أسماء، لا تُخبري فاطمة بهذا، فإنّها قريبة عهد بولادته 3). وبعد استشهاد الإمام الحسن (عليه السلام) جاء التنصيب الإلهي وبدأ دور الإمام سلام الله عليه في حمل الأمانة، فلقد كان سيّد أهل الحجاز بل وسيّد العرب الذي ليس على وجه الأرض أحدٌ يساميه قدراً وشرفاً وقرابةً ومنزلة، لذا نرى أنّ كُل من يهمّه أمرَ حفظ الدين والخوف من ضياعه يَتَرَقّب في الإمام النَهضة والتحرّك خصوصاً بعد هلاك معاوية سنة 60 للهجرة وتنصيب أبنه يزيد خليفة وراعياً لأمور الاسلام والمسلمين.
نهض الإمام (عليه السلام) من أجل تنوير العقول واحياء القلوب وإكمال المسير لكي تبلغ الأمة مرتبة تستطيع من خلالها أن تَنْهَلَ من فِكر الإسلام الصحيح، إسلاماً أصيلاً غير مُشّوه ولا محرّف، عميقاً صافياً لا شائبة فيه، واقعياً وليس خرافياً، وإنسانياً بكل مبادئه، حيث رأى أعداء الإسلام في الإمام الحسين (عليه السلام) عائقاً أمام إكمال منهجهم الرّامي لهدم الدين، وأيقنوا أنّ نَحْرَ الإسلام لا يتمّ إلّا بعد نحر الدّعاة والحُماة الربانيين، فبدأوا بتحريف وتزوير فِكْرِ ومنهج ومسيرة ومقامات محمد وآل محمد صلوات الله عليه وعليهم أجمعين. لقد انتهج ابن آكلة الأكباب معاوية ابن أبي سفيان وابنه يزيد عليهما لعائن الله سياسة التّجهيل في تعاملهم مع الرعية، ولا سيما أهل الشام، ففي صفين يسأل هاشم المرقال بعض مقاتلي أهل الشام: عن السبب الذي دعاه للمشاركة في تلك الحرب، فيعلل ذلك بأنهم أخبروه: أن علياً عليهالسلام لا يصلي 4.
كان يزيد يُمثّل مركز الانحراف، لذلك سعى ومنذ اليوم الأول وبمساعدة وعّاظه إلى انتهاج سياسة التضّليل والتّجهيل ودعوة الناس إلى الإيمان والاعتقاد بمفاهيم مُزيّفة وعقائد مُحرّفة، ترسخ العبوديّة وتحوّل الإمة إلى قطيع يسوقهم كما يشاء، وهذا ما جعله يحمل الغيض ويعد العدّة للتآمر على خليفة الله الإمام الحسين (عليه السلام) لعلمه بثقل الإمام ولما يمثله سلام الله عليه من منهج فكريّ ورساليّ. ومن أجل البدء بمخططهم، دعا مروان ابن الحكم الإمامَ الحُسين (عليه السلام) لبيعة يزيد قائلاً له: (يا أبا عبد الله، إنّي لك ناصح، فأطعني تُرشد، فقال الحسين (عليه السلام): وما ذاك، قل حتى أسمع؟ فقال مروان: إنّي آمرك ببيعة يزيد بن معاوية؛ فإنّه خيرٌ لك في دينك ودنياك، فقال الحسين (عليه السلام): إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام، إذ قد بُليت الأُمّة براعٍ مثل يزيد، ولقد سمعتُ جدّي رسول الله سلام الله عليها يقول: الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان 5). فكان ردّ الإمام الحسين (عليه السلام) لمروان ابن الحكم واضحاً جَليّاً، يحمل الدروس والعبر، ويكشف في الوقت نفسه عمق التدنّي في الفكر والانقلاب على الأعقاب الذي أصاب الأُمّة الإسلاميّة نتيجة الفهم الخاطئ لحقيقة ما جاء به رسول الله وعدم الالتزام بما أمر به؛ فكان أول ما نطق به سلام الله عليه هو قول: " إنّا لله وإنّا إليه راجعون"، وهذا يعكس حالة الألم والحزن على دين الله وما سيجري على الأمة إذا ما وُلّي عليها شخص مثل يزيد، زذلك يعني أنَّ الإسلام وشرائع السماء جميعها ستُطمس وتُحرّف، فالمُلك عند معاوية وابنه يزيد عقيم وهو فوق الدين؛ فكان جواب الإمام لمروان ابن الحكم حينما أخذ يكرر الطلب بمبايعة يزيدـ: (ويحك، أتأمرني ببيعة يزيد وهو رجل فاسق؟! لقد قلت شططاً من القول، يا عظيم الزلل، لا ألومك على قولك؛ لأنّك اللعين الذي لعنك رسول الله سلام الله عليها، وأنت في صلب أبيك الحكم بن أبي العاص؛ فإنّ مَن لعنه رسول الله سلام الله عليها لا يمكن له، ولا منه [إلّا] أن يدعو إلى بيعة يزيد. ثمّ قال: إليك عنّي يا عدوّ الله، فإنّا أهل بيت رسول الله سلام الله عليها، والحقُّ فينا، وبالحقِّ تنطق ألسنتنا 6)، وهو ما يعبر عن حكمة وحنكة الإمام الحسين (عليه السلام) مع هؤلاء المرتزقة فقد أعطى في جوابه درسًا بليغًا يبيّن من خلاله أنّ هؤلاء الطواغيت الذين تربّعوا على منبر رسول الله لا يمتّون إلى الإسلام بِصِلَة، وأنّهم قد كشفوا عن حقيقة نواياهم الرامية لهدم الدين من القواعد. كان الإمام سلام الله عليه واضحاً في تبيانه فلم تكن لنهضة أبعاداً عاطفية أو أطماعاً دنيويّة، حاشاه وهو خليفة الله، إنّ مشروع الإمام إلهي وأنَّ المشيئة إلهيّة وقد اقتضت أن تجري الأمور كما جَرَت، وقول الإمام الحسين (عليه السلام) لأخيه محمد ابن الحنفيّة خير دليل: (قد شاء الله أن يراهن سبايا 7).
عاشت الأمة في عهد معاوية وابنه يزيد أعلى مراحل التّجهيل وأن نور الإسلام كاد أن ينطفئ، فكان الإمام في خُطَبِهِ يتكلّم بلُغة من يسعى أن يجاري العقول التي لا تستوعب عُمق مشروعه النهضويّ حيث المشيئة الإلهية هي التي رسمت مساره وأعدّت له وليكون على يديه التنفيذ، فقد شاء الله تعالى أن تكون حياته ثمناً لحفط دين الله ولإحياء النفوس التي انغمست في وحل التردّ والانحطاط الفكري، وأن يكون دمه الطاهر هو المُثبّت لشجرة الإسلام بعد ما أراد أبناء الطلقاء قلعها من الجذور؛ زَيفٌ وَتَضليل وظلم وباطل،قد لَبِسَ لباسَ الحقّ وأوهَم الناس وأوغل في تجهيلهم وَبَثّ المفاهيم المشوهة واستخدم الأساليب الطاغوتية من قتل وترويع وتهجير، ومما لا يَخفى على كل ذي عقل لبيب أنَّ هذا المنهج كان ولا زال يُعمل به وثبت نجاحه عبر مرّ العصور ولكن سرعان ما ينكشف ويُقضى عليه.
أدرك الإمام حجم المأساة التي يتعرض لها الواقع الاجتماعي بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لذلك فإنَّ مشروعه سلام الله عليه كان مشروعاً فكرياً تنويرياً وتوعوياً يسعى من خلاله لحفظ الشريعة الإسلامية وبالتالي حفظ الوعي والفكر والإرادة التي من خلالها سيتغيّر الواقع السياسي والاجتماعي وبكل أبعاده، لذلك كانت النّهضة الحسينيّة تهدف لإحياء الفكر الإنساني وتخلق النُخب الواعية في كل زمان ومكان، تلك التي ترتبط بالإمام فكرياً وسلوكياً قبل الارتباط العاطفي، تنهل من معينه الفكريّ ومنهجه الثوري ما يمكّنها من التحرّر من مُكبّلات الأغلال والتخلّص من عبودية المادة والسلطة، وما يعينها لحفظ القِيَم الإلهيّة وتثبيت موازين الحقّ والخروج من ظلمة الجهل والاستعباد إلى حريّة الفكر والاستقلال، الأمر الذي يستدعي رفض كل أنواع الظلم، والوقوف بوجه الباطل الذي يسعى لحرف المسيرة الإنسانية على مرّ الأزمنة والعصور، وعليه نتحصّل مما تقدم أنَّنا نعيش بين تيارين الأُوّل يسعى للسير بالأمة نحو طريق الضلال والبؤس والشقاء، طريق الظلم والظالمين، والثاني على خلافه، ولا مناص لأي مجتمع حر سوى أنَّ يتحرر من أغلال المنهج الأُوّل، هذه الحريّة هي التي من أجلها قدّم الإمام دمه واولاده وأصحابه لكي تكون لنا درساً ومنهجاً، الأمر الذي يحتّم علينا أن نقتدي به منهجاً وسلوكاً، ونسير وفق خطاه الثورية، وأنْ لا يكون ولاءنا صورياً فهذا ما لا يرتضيه الله تعالى ولا الذي ضحّى من أجل سيد شباب أهل الجنّة.
المراجع
1. الخصال - الشيخ الصدوق - ص475، رقم 38. وإثبات الهداة - الشيخ الحر العاملي - ج2، ص80.
2. الكافي - الشيخ الكليني - ج1، ص533.
3. عيون أخبار الرضا (عليه السلام) - الشيخ الصدوق - ج2، ص29.
4. التأريخ - الطبري - ج 4، ص 30. والكامل - ابن الأثير - ج 3، ص 313. والفتوح - ابن اعثم - ج 3، ص 196. وقعة صفين - نصر بن مزاحم - ص354. وشرح النهج - المعتزلي - ج8، ص36. والغدير - عبد الحسين الأميني - ج1، ص122 و290 عن أكثر من تقدم. وأنساب الأشراف - البَلَاذُري - بتحقيق المحمودي - ج2، ص184. وترجمة الإمام علي (عليه السلام)- ابن عساكر - بتحقيق المحمودي ج 3 ص 99 ونقله المحمودي عن ابن عساكر ج 38 حديث رقم 1139.
5. اللهوف في قتلى الطفوف - ابن طاووس - ص98-99.
6. الفتوح - أحمد بن أعثم الكوفي - ج5، ص17.
7. اللهوف في قتلى الطفوف - ابن طاووس - ص39.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!