كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الموعد على الجسر

الموعد على الجسر

المكان: بغداد
الموقع: الجسر
الزمان: يوم الجمعة
الوقت: ضُحىً

كانت هذه آخرَ كلماتٍ تلقّتها الشيعة من إمامهم موسى الكاظم، نقلها لهم عليّ بن سويد، الذي التقى به في تلك الطامورة.
أخبر الشيعة بذلك الخبر، ومنذ سنواتٍ وإمامهم يتنقّل بين السجون، وقضبان الحديد، والأغلال.
لقد ضاقت صدورهم لطول الفراق، متشوقين لرؤية إمامهم.

نعم، إنّه الموعد؛ وليس أيَّ موعد، إنّه موعد اللقاء.
الكلّ متشوّق لرؤية إمامه.

كيف سوف ينظر إليه؟
كيف يمكن الاقتراب منه؟
كيف يمكن تقبيل يده؟
كيف يمكن سؤاله؟

كان البعض يقول: إذا خرج الإمام فأوّل ما يحلّ ضيفاً عندي.
وأخذوا يتنافسون فيما بينهم: من الذي يحظى بضيافة الإمام؟

وبعضهم يفكّر: بماذا يستقبل إمامه وهو خارج من السجن؟
بباقة ورد؟ أم باقة ريحان؟
أم بقدحٍ من الماء؟
أم قدحٍ من اللبن؟
أم بطبق تمر؟
أم بعنقود عنب؟
أم بشراب العسل؟

وكلّ هذه الأطعمة للشيعة معها ذكرياتٌ مؤلمة.

وكان بعضهم حاملاً رضيعاً، يريد حين يخرج إمامه أن يضع يده على رأس ذلك الرضيع داعياً له.
وبعضهم وقف ليطلب من إمامه صرّةً تغنيه عن فقره المدقع.
وبعضهم كان ينتظره وقد حُرم من الذرية، لعلّه يحظى بدعوةٍ مستجابة من إمامه.
وبعضهم كان يريد دعاءً ليزيد الله في رزقه.
وبعضهم كان مذنباً، يلتمس من الإمام يداً حنونة تتلطّف عليه، لتطهّر قلبه من ذلك السواد.
وبعضهم لم يكن عنده شيء؛ سوف يملأ عينيه فقط، ويتشرّف بالنظر إلى إمامه.
والبعض، والبعض، والبعض…

وخلف الرجال تقف بعض النساء:
منهنّ من غاب ولدها في غياهب السجون كما غاب الإمام، ترتجي من الإمام دعاءً للفرج عنه.
ومنهنّ من تريد دعوةً من الإمام ليرزقها الله ولداً بارّاً.
وبعضهنّ تلتمس من إمامها زوجاً صالحاً لابنتها.
وبعض الأمهات تطلب حرزاً أو تعويذة.
وبعضهنّ تريد دعاءً من الإمام يحفظ ابنها الغائب في ديار الغربة، وقد فرّ حفاظاً على دينه وعقيدته.

وهناك بعض الفتيات ذُبْنَ في عشق إمامهنّ، لا يرتجين إلا نظرةً منه إليهنّ، وربما يكتفين بنظرةٍ منهنّ إليه، تمسح أوجاع ذلك القلب العاشق.

وأمام الرجال اصطفّ أطفالٌ ملئت وجوههم البريئة محبّة إمامهم؛ أحبّوه على الفطرة.
سمع أحدهم من أبيه أنّ إمامه موسى الكاظم سوف يخرج من السجن، فهزّته البراءة لرؤيته.
وبعضهم يرى دمعة أمه على فراق إمامها، فيراها في كل صلاة ترفع كفّيها إلى الله أن يفرّج عن إمامها من سجون هارون.
وبعض الأطفال يسمع أمه تستغيث إلى الله: بسجن موسى، وغربته، وكربته… فرّج عنه وعني. فجذبه الشوق ليرى موسى الذي لا يسقط اسمه من لسان أمه.
وبعض الأطفال خرج ليقف أوّل الأطفال، لعلّه يحظى بيد الإمام تمسح على رأسه، فيفتخر على كل الأطفال بذلك.

وكان هناك بعض الكَسَبة، بملابسهم الرثّة، وقد اتكأ أحدهم على عربته، لعلّ الإمام حين يخرج يمرّ من عنده، فيتمسّح بعباءة الإمام تبرّكاً.

وتجمهر الناس، وما زال الشيعة يفدون إلى المكان نفسه، يرون ماء النهر وقد تكسّرت عليه أشعة الشمس، وهم يتطلّعون: متى يفيض عليهم إمامهم بماء الحياة لقلوبهم العطشى إلى رؤيته؟

ارتفعت الشمس، وهي ترسل أشعتها على رؤوسهم، وعيونهم محدّقة بباب السجن: متى يبزغ نور شمسهم التي غابت في طامورة الظالمين منذ سنين؟

يترقّبون الباب، وأسارير الفرح بادية على وجوههم، والابتسامة ترتسم على شفاههم، فلا تسمع إلا فرقعة الأصابع، وهم في حالة شوقٍ أشدّ من الجمر المتّقد في قلوبهم.

وهم ينظرون إلى الباب، فإذا بأربعة سجّانين يخرجون جسداً قد سُجّي بعباءةٍ لُفّ بها، وتُسمَع خشخشة السلاسل وقد تدلّت من قدميه.

لم يهمّهم الأمر، فما زالت عيونهم مشدودةً إلى باب السجن، متى يطلّ عليهم الإمام بشيبته المباركة ليزيل عن قلوبهم حرّ الجوى.

وبينما عيونهم إلى الباب، إذا بأولئك السجّانين يضعون ذلك الجسد على رأس الجسر، وينادون بذلك النداء المستهجن:
«هذا إمام الرافضة! هذا موسى بن جعفر!»

فضجّ الناس بالبكاء والنحيب،
وعلت الصرخات:
وا إماماه!
وا سيّداه!)
 (الموعد على الجسر)
الشيخ مظفر علي الركابي
المكان: بغداد
الموقع: الجسر
الزمان: يوم الجمعة
الوقت: ضُحىً

كانت هذه آخرَ كلماتٍ تلقّتها الشيعة من إمامهم موسى الكاظم، نقلها لهم عليّ بن سويد، الذي التقى به في تلك الطامورة.
أخبر الشيعة بذلك الخبر، ومنذ سنواتٍ وإمامهم يتنقّل بين السجون، وقضبان الحديد، والأغلال.
لقد ضاقت صدورهم لطول الفراق، متشوقين لرؤية إمامهم.

نعم، إنّه الموعد؛ وليس أيَّ موعد، إنّه موعد اللقاء.
الكلّ متشوّق لرؤية إمامه.

كيف سوف ينظر إليه؟
كيف يمكن الاقتراب منه؟
كيف يمكن تقبيل يده؟
كيف يمكن سؤاله؟

كان البعض يقول: إذا خرج الإمام فأوّل ما يحلّ ضيفاً عندي.
وأخذوا يتنافسون فيما بينهم: من الذي يحظى بضيافة الإمام؟

وبعضهم يفكّر: بماذا يستقبل إمامه وهو خارج من السجن؟
بباقة ورد؟ أم باقة ريحان؟
أم بقدحٍ من الماء؟
أم قدحٍ من اللبن؟
أم بطبق تمر؟
أم بعنقود عنب؟
أم بشراب العسل؟
وكلّ هذه الأطعمة للشيعة معها ذكرياتٌ مؤلمة.

وكان بعضهم حاملاً رضيعاً، يريد حين يخرج إمامه أن يضع يده على رأس ذلك الرضيع داعياً له.
وبعضهم وقف ليطلب من إمامه صرّةً تغنيه عن فقره المدقع.
وبعضهم كان ينتظره وقد حُرم من الذرية، لعلّه يحظى بدعوةٍ مستجابة من إمامه.
وبعضهم كان يريد دعاءً ليزيد الله في رزقه.
وبعضهم كان مذنباً، يلتمس من الإمام يداً حنونة تتلطّف عليه، لتطهّر قلبه من ذلك السواد.
وبعضهم لم يكن عنده شيء؛ سوف يملأ عينيه فقط، ويتشرّف بالنظر إلى إمامه.
والبعض، والبعض، والبعض…

وخلف الرجال تقف بعض النساء:
منهنّ من غاب ولدها في غياهب السجون كما غاب الإمام، ترتجي من الإمام دعاءً للفرج عنه.
ومنهنّ من تريد دعوةً من الإمام ليرزقها الله ولداً بارّاً.
وبعضهنّ تلتمس من إمامها زوجاً صالحاً لابنتها.
وبعض الأمهات تطلب حرزاً أو تعويذة.
وبعضهنّ تريد دعاءً من الإمام يحفظ ابنها الغائب في ديار الغربة، وقد فرّ حفاظاً على دينه وعقيدته.

وهناك بعض الفتيات ذُبْنَ في عشق إمامهنّ، لا يرتجين إلا نظرةً منه إليهنّ، وربما يكتفين بنظرةٍ منهنّ إليه، تمسح أوجاع ذلك القلب العاشق.

وأمام الرجال اصطفّ أطفالٌ ملئت وجوههم البريئة محبّة إمامهم؛ أحبّوه على الفطرة.
سمع أحدهم من أبيه أنّ إمامه موسى الكاظم سوف يخرج من السجن، فهزّته البراءة لرؤيته.
وبعضهم يرى دمعة أمه على فراق إمامها، فيراها في كل صلاة ترفع كفّيها إلى الله أن يفرّج عن إمامها من سجون هارون.
وبعض الأطفال يسمع أمه تستغيث إلى الله: بسجن موسى، وغربته، وكربته… فرّج عنه وعني. فجذبه الشوق ليرى موسى الذي لا يسقط اسمه من لسان أمه.
وبعض الأطفال خرج ليقف أوّل الأطفال، لعلّه يحظى بيد الإمام تمسح على رأسه، فيفتخر على كل الأطفال بذلك.

وكان هناك بعض الكَسَبة، بملابسهم الرثّة، وقد اتكأ أحدهم على عربته، لعلّ الإمام حين يخرج يمرّ من عنده، فيتمسّح بعباءة الإمام تبرّكاً.

وتجمهر الناس، وما زال الشيعة يفدون إلى المكان نفسه، يرون ماء النهر وقد تكسّرت عليه أشعة الشمس، وهم يتطلّعون: متى يفيض عليهم إمامهم بماء الحياة لقلوبهم العطشى إلى رؤيته؟

ارتفعت الشمس، وهي ترسل أشعتها على رؤوسهم، وعيونهم محدّقة بباب السجن: متى يبزغ نور شمسهم التي غابت في طامورة الظالمين منذ سنين؟

يترقّبون الباب، وأسارير الفرح بادية على وجوههم، والابتسامة ترتسم على شفاههم، فلا تسمع إلا فرقعة الأصابع، وهم في حالة شوقٍ أشدّ من الجمر المتّقد في قلوبهم.

وهم ينظرون إلى الباب، فإذا بأربعة سجّانين يخرجون جسداً قد سُجّي بعباءةٍ لُفّ بها، وتُسمَع خشخشة السلاسل وقد تدلّت من قدميه.

لم يهمّهم الأمر، فما زالت عيونهم مشدودةً إلى باب السجن، متى يطلّ عليهم الإمام بشيبته المباركة ليزيل عن قلوبهم حرّ الجوى.

وبينما عيونهم إلى الباب، إذا بأولئك السجّانين يضعون ذلك الجسد على رأس الجسر، وينادون بذلك النداء المستهجن:
«هذا إمام الرافضة! هذا موسى بن جعفر!»

فضجّ الناس بالبكاء والنحيب،
وعلت الصرخات:
وا إماماه!
وا سيّداه!)

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!