كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

ما رأيتُ إلا جميلًا

ما رأيتُ إلا جميلًا

 نظرَ عبيدُ الله بن زياد إلى الظاهر، فأخذته نشوةُ النصر،
لكنّ زينبَ نظرت إلى الباطن، فرأت انتصارها في الأسر.

فرقٌ بين أميرٍ يظنّ نفسه حرًّا، وهو في الحقيقة عبدٌ،
وبين أسيرةٍ ترى نفسها حرّة، بل الحريةَ بعينها.

حريةُ عدمِ الخضوع للطواغيت،
حريةُ عدمِ مهادنة الظالمين،
حريةُ الكلمة.

قيدوا يديها، لكنهم لم يقيّدوا فمها،
كسرت القيد بكلمات، وكسرت بكلماتها جبروتَ ابن زياد.

لم يقف في وجه عبيد الله بن زياد في ذلك المجتمع المتخاذل
إلا اثنان:

الأول: عبد الله بن عفيف الأزدي، بصيرُ العقيدة،
في قومٍ عميت بصائرهم عن اتباع الحق.

والثاني: زينب بنت علي بن أبي طالب (عليهما السلام).

وقفت تلقّنه درسًا:
كيف يكون النصر؟
وكيف يكون الجهاد؟
وكيف يكون الشموخ والعنفوان؟

قال لها ساخرًا:
كيف رأيتِ صُنعَ الله بأخيك وبالمَرَدة العُتاة من أهل بيتك؟

فقالت:
ما رأيتُ إلا جميلًا.

لكن هذا الجلواز لم يفقه ما أرادت زينب بهذا الجمال.

سيدتي، أيُّ جمالٍ وهناك أجسادٌ مقطّعة على أرض كربلاء؟
سيدتي، أيُّ جمالٍ وهناك رؤوسٌ مرفوعةٌ على الرماح؟
سيدتي، أيُّ جمالٍ وهناك جسدُ أخيك قد رضّته حوافر الخيل حتى تكسّرت أضلاعُه؟

نعم، إنّها بنتُ علي،
الذي رأى الفوزَ حين ضُربت هامته فقال:
فزتُ وربّ الكعبة.

وهي أختُ من قال:
إن لم يستقم دينُ محمدٍ إلا بقتلي، فيا سيوفُ خذيني.

فماذا عساه أن يخرج من فم تلك اللبوة؟
وبأيّ كلماتٍ تهزّ عروش الطغاة؟

إنها الكلماتُ التي خلّدها التاريخ:
ما رأيتُ إلا جميلًا.

هكذا أولياءُ الله، يرون البلاء عطية، والمصائب هدايا،
وكلما اشتدّ البلاء، ازداد شكرهم لله،
لأنهم يرون في عِظم البلاء شدّة القرب من الله.

لذا رأت الحوراء زينب ما جرى في كربلاء جميلاً في باطنه،
وأيّ جمالٍ أعظم من أن يذوب الحسين عشقًا لله،
فيرضى أن تُقطّع أوصاله فداءً للمحبوب؟

إنها لوحةٌ من الفن تعجز ريشةُ أيّ فنانٍ عن رسمها،
صورٌ تختنق الكلمات دونها،
وتحتبس الأنفاس عن إدراك كنهها.

لقد اختصرت زينبُ (عليها السلام) واقعةَ كربلاء،
بكل تفاصيلها ومآسيها،
بكلمةٍ واحدةٍ وجّهتها لابن زياد:

ما رأيتُ إلا جميلًا.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!