كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

انتهاء عمل بعثة الأمم المتحدة في العراق نهايةٌ للوصاية أو الرقابة أو استردادٌ للسيادة -نظرةٌ قانونيةٌ دوليةٌ- / ج١ (١-٢)

انتهاء عمل بعثة الأمم المتحدة في العراق  نهايةٌ للوصاية أو الرقابة أو استردادٌ للسيادة  -نظرةٌ قانونيةٌ دوليةٌ- / ج١ (١-٢)

منذ الإعلان عن انتهاء عمل بعثة الأمم المتحدة (يونامي) في العراق ووسائل الإعلام في العراق،مسموعةً ومرئيةً ومقروءةً، ومحللون وخبراء، يعلنون أنَّ انتهاء عمل البعثة هذا إنما يعني انتهاء الوصاية الدولية على العراق،أو انتهاء الرقابة عليه، وأنَّ العراق قد استرد سيادته الآن. ومع أنَّ عمل البعثة لم ينتهِ رسمياً، بل سينتهي في نهاية يوم 31/12/2025، فأنَّ مما يؤسف قوله إنَّ الكلام المتقدِّم حول انتهاء عمل البعثة قد أثَّر في الرأي العام كلياً مع أنه بمجموعهِ يمثِّل خطئاً واضحاً وشططاً فاضحاً ؛ لذا سأشرع في بيان الحقيقة من وجهة نظر القانون الدولي.

سأتطرق لفقرتين مهمتين :

الأولى : هل كان وجود بعثة الأمم المتحدة في العراق يعدُّ بمثابة الوصاية الدولية أو الرقابة عليه ؟ وهل يخلُّ هذا الوجود بالسيادة ؟

الثانية : التمييز بين الوصاية الدولية والرقابة وطبيعة عمل بعثة الأمم المتحدة.

الفقرة الأولى : هل كان وجود بعثة الأمم المتحدة في العراق يعدُّ بمثابة الوصاية الدولية أو الرقابة عليه ؟ وهل يخلُّ هذا الوجود بالسيادة ؟

من المعلوم أنَّ وجود بعثة الأمم المتحدة (UNAMI) في العراق كان استجابةً مباشرةً لطلب الحكومة العراقية الانتقالية عام 2003 ولقرارات مجلس الأمن الدولي، ولا يمكن وصفه البتة بأنه "وصايةٌ دوليةٌ " أو "رقابةٌ " بالمعنى القانوني الدولي والسياسي الدقيق، ومن ثمّ لا استرداد للسيادة بعد أن ينتهي عمل البعثة ؛ لأنها لم تُفقد أو تُسلب بسبب وجودها كي تُستردَّ بعد رحيلها.وللاستدلال على هذا الرأي نعرض الأدلة الآتية :

١- الأساس القانوني :

لقد أُسِّست بعثة الأمم المتحدة بمقتضى قرار مجلس الأمن الدولي رقم (1500) في 14 آب 2003، الذي نصَّ صراحةً على إنشاء بعثةٍ أمميةٍ لمساعدة العراق (United Nations Assistance Mission for Iraq – UNAMI).

ويُلاحظ من عنوان القرار ومضمونه أنَّ المشرِّع الدولي استعمل مصطلح "المساعدة " (Assistance)لا "الوصاية" ولا "لإدارة" ولا "الإشراف" ولا "الرقابة". وهو توصيفٌ قانونيٌّ مقصودٌ له دلالته الصريحة في القانون الدولي. لقد رحَّب القرار الأُممي بإنشاء مجلس الحكم العراقي (الذي كان خطوةً مهمةً نحو تأليف حكومةٍ وطنيةٍ) في أعقاب تغيير النظام الدكتاتوري في سنة 2003، مما يشير إلى الاعتراف بالسلطات العراقية الناشئة آنذاك. وقد أُسِّست البعثة بناءً على طلبٍ رسميٍّ من الحكومة العراقية. ويُستشف مما سلف أنَّ الأساس القانوني لعمل البعثة يكمن في القرار الأممي وفي طلب الحكومة العراقية.أما الوصاية الدولية والرقابة فهي نظامٌ مختلفٌ تماماً ينطبق على الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي أو فاقدة السيادة بموجب الفصل (12) من ميثاق الأمم المتحدة،في حين أنَّ أغلب عمل البعثة الأُممية كان بمقتضى الفصل (6) من الميثاق–كما سيتضح لاحقاً إن شاء الله في الجزء الثاني-.

 

٢- طبيعة عمل البعثة ومهماتها :

لقد تمثَّلت ولاية البعثة، التي تم توسيع نطاقها لاحقاً بالقرار(1770) لسنة 2007، في تقديم المشورة والدعم والمساعدة للعراق ، حكومةً وشعباً، في مجالاتٍ حيويةٍ، أهمها :

- تعزيز الحوار الوطني الشامل والمصالحة الوطنية والمجتمعية.

- دعم الانتخابات وتقديم الخبرة الفنية.

- تقديم المشورة الدستورية والقانونية، ولا سيما في كتابة دستور ما بعد حقبة الدكتاتورية.

- تعزيز حقوق الإنسان والإصلاح القضائي والقانوني.

- تنسيق المساعدة الإنسانية والتنموية.

وكل هذه المجالات قد تمَّت بموافقة الحكومة العراقية وبشراكةٍ معها. ومن الجدير بالذكر أنَّ ولاية يونامي كانت تتمثل بثلاثة أبعادٍ رئيسةٍ :

· المساعدة (Assistance)

· تقديم المشورة (Advisory)

· الدعم الفني (Technical Support)

ولم تتضمن هذه الولاية بأية صورةٍ من الصور : وصايةً أو إدارةً أو إشرافاً أو رقابةً. ولم تُمنح البعثة أية صلاحياتٍ تنفيذيةٍ أو تشريعيةٍ أو قضائيةٍ داخل الدولة العراقية.

٣. تأكيد السيادة :

يؤكد قرار مجلس الأمن الدولي رقم (1500) لسنة 2003 بشكلٍ واضحٍ على سيادة العراق وسلامة أراضيه. ومن نافلة القول إنَّ البعثة جاءت بعد مرحلة سلطة الائتلاف المؤقتة (2003-2004)،حيث سُلِّمت السيادة للعراقيين بشكلٍ كامل في سنة 2004. ولعلَّ البعض يعتقد أنَّ وجود البعثة في العراق بحد ذاته يخلَّ بسيادته ؟ وهذا ما لا يصح إطلاقاً ؛ لأنَّ من المبادئ المستقرة في القانون الدولي أنَّ طلب الدولة مساعدة الأمم المتحدة لا يُعد انتقاصاً من سيادتها، بل مظهراً من مظاهر ممارستها لهذه السيادة. وفي هذا السياق يعلم الجميع أنَّ العراق هو الذي طلب وجود بعثة الأمم المتحدة وحضورها لمساعدته أولاً ، ومن ثم طلب إنهاء عملها ثانياً.وهو ما يؤكد بشكلٍ لا لبس فيه أنَّ السيادة العراقية كانت قائمةً وكاملةً ، لا منقوصةً ولا معلَّقةً.

٤- التطبيق العملي :

لقد عملت البعثة كميسِّرٍ ومساعدٍ ومشاورٍ بناءً على طلب العراق، وليس كسلطةٍ تنفيذية.فقد ظلت القرارات السيادية بيد المؤسسات العراقية الدستورية.

٥- الإنهاء بناءً على طلب العراق :

لقد جاء قرار إنهاء عمل بعثة يونامي -في نهاية عام 2025- بطلبٍ من الحكومة العراقية الحالية، التي رأت أنَّ العراق قد أحرز تقدماً كبيراً نحو الاستقرار وأنَّ مسوِّغات وجود البعثة السياسية لم تعد قائمةً.إنَّ هذا الطلب من قبل الحكومة والاستجابة له من الأمم المتحدة لَيؤكد صراحةً أنَّ وجود هذه البعثة إنما كان بموافقة العراق وطلبهِ، ولو كان هذا الوجود وصايةً أو رقابةً لما انتهى بمجرد طلب العراق.

وتأسيساً على ما تقدَّم يمكن الخلوص إلى أنَّ مهمة يونامي كانت في جوهرها بعثةً خاصةً للمساعدة الإنمائية والاستشارية لدولةٍ تمرُّ بمرحلةٍ انتقاليةٍ صعبةٍ بعد حقبة الدكتاتورية، ولم تكن وصايةً دوليةً ولا رقابةً، وسينتهي عملها في نهاية العام بقرارٍ سياديٍ عراقي. ومن الثابت في القانون الدولي أنَّ الوصاية أو الإدارة الدولية –كما سيتضح لاحقاً- تفترض وجود العناصر الآتية :

1- تقييد أو تعليق السيادة الوطنية.

2- نقل صلاحيات الحكم إلى جهةٍ دوليةٍ.

3- امتلاك سلطةٍ إلزاميةٍ داخل الدولة المعنية.

وهذا ما حدث في بعض الأمثلة الدولية، مثل تيمور الشرقية وكوسوفو. في حين إنَّ العناصر المذكورة لم تتحقَّق إطلاقاً في حالة العراق بعد عام 2004 .فبعثة يونامي في العراق لم تصدر قراراتٍ ملزمةً ولم تقم بإدارة مؤسسات الدولة ولم تحل محل السلطات الوطنية ولم تفرض سياساتٍ تنفيذيةً معينةً أو تسن تشريعاتٍ معينةً.

يتبع إن شاء الله

 

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!