كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

وهم التلبّس وحقيقة الاضطراب

الإنسان كيان متكامل من جسد ونفس، وكما يمرض الجسد، تمرض النفس أيضًا وتضطرب. ومن مظاهر اضطراب النفس: ما يرتبط بالوساوس والأوهام، وهو ما فسّره بعض الناس بـ(تلبس الجن)، لكن الحقيقة مختلفة.

فالقرآن الكريم أخبرنا أنّ الشيطان يوسوس ويغوي الإنسان من كلّ الجهات، لكنه لم يذكر تلبُّسًا حقيقيًا بمعنى دخول الجن في الإنسان، فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ﴾ (البقرة: ٢٧٥) ليست دليلًا على التلبُّس، بل هي تشبيه لحال من فقد التوازن.

ولذلك لا نجد في مصادر الحديث عن أهل البيت (عليهم السلام) ما يثبت هذا التلبّس المعروف عند بعض الناس، بل الأمر غالبًا نفسي أو عصبي، إضافة إلى أنّ الابتعاد عن الله سبحانه يفتح بابًا للضيق والاضطراب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (طه: ١٢٤).

والأسباب المحتملة كثيرة، منها: أمراض نفسية كالفصام والوسواس، وعلاجها يكون طبيًا أو معرفيًا.

ومن العلاجات المفيدة:

١- إشغال الوقت بما ينفع، كقراءة القرآن الكريم وسيرة أهل البيت (عليهم السلام)، وترديد الأذكار المأثورة، ومنها: قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «ذِكرُنا أهل البيت شفاءٌ من الوعك والأسقام ووسواس الريب، وحبنا رضا الرب تبارك وتعالى» (المحاسن: ج١/ص١٢٢).

٢- الالتزام بإرشادات المختصين.

٣- النوم الكافي.

إنّ الخروج من دائرة الأوهام لا يكون إلا بالوعي والمعرفة، فالإيمان الحقيقي لا يُبنى على الخرافة، بل على الفهم العميق والتدبر في كلام الله تعالى، والثقة برحمته وهدايته.

وكلّما ازددنا قُربًا من الله سبحانه قلّت مخاوفنا وزال اضطرابنا، فالطمأنينة لا يمنحها إلا ذكر الله، كما قال تعالى: ﴿ألَا بِذكْرِ اللهِ تَطمَئِنُّ القُلوبُ﴾ (الرعد: ٢٨).

فلنختر طريق النور، ونتحرّر من قيود الوهم، لنعيش إيمانًا صادقًا وسلامًا داخليًا لا يشوبه خوف ولا خيال.

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!