هل لقدرة الإنسان على التحمل حدود؟ وما هي العوامل التي تؤدي إلى زيادة قدرة استيعاب الإنسان على الصبر؟ وما هي بواعث ذلك التماسك؟
سماحة السيد أحمد الصافي يرجع القضية إلى المنشأ التربوي، كثير من الناس عبر التاريخ سقطوا في موارد الابتلاء، طمعا في دنيا، أو حزنا، أو خوفا من موقف، هذا يعني أن مشاعر التماسك ترتبط مع الإيمان بالله سبحانه وتعالى، والإيمان قادر على أن يخلق التماسك، ويبعد هواجس الضعف والقلق.
ويقدر التماسك على توجيه الإنسان نحو الحياة بوضوح، وبقوة التدبير والإدارة، وتصفه للحياة فائدة عظيمة ضمن عقيدة الله، الله هو الرازق الوهاب، حتى في حالة حبس الرزق يؤمن بوجود حكمة إلهية، والإيمان حين يصل إلى هذا المستوى يحصن الإنسان بالتماسك، ويدعو الله إلى الرأفة والرحمة، وهذه الأمور ترتبط عند الإنسان بالوعي والإدراك، وتتفاعل مع التوجيه الكلي لله سبحانه وتعالى.
قال مولاي السجاد لبعض فقرات الدعاء (اللهم فأعني، وبعظمتك فانعشني) وعند تعريف مفردة (الإنعاش) يعني أن الإنسان يكون بحالة حسنة ليس فيها ذل، فتكون الحالة خالية من المنغصات
اللهم فأغنيني، وبعظمتك فَانْعَشنِي وَبِسَعَتِكَ فابسط يَدِي، وَبِمَا عندك فاكفني) ارتبط التماسك النفسي عند علماء النفس في المنشأ الصحي فقط، في حال هذا المفهوم غير متكامل.
سماحة السيد أحمد الصافي يبحث في معنى الغنى مثلا، ليصل إلى أن الإمام السجاد عليه السلام لا يعني غنى المال وحده، كم إنسان ميسور الحال غني المال ثري لكنه شحيح، وذليل مع إنه عنده الكفاية و ما يمكن أن يغنيه، لكنه شحيح وبخيل ويشتكي العوز، بالمقابل هناك فقير يمتلك القناعة يدعو الله يقول اللهم أغنني اجعلني في حالة عدم الاحتياج إلى الناس، وهذه فضيلة.
الإمام علي "عليه السلام" يقول عن النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" لم يشفع من دنياكم ثلاثة أيام من البر الحنطة، لم يشفع ثلاثة أيام متواصلة، وهو الذي أعطى مقاليد السماوات والأرض "صلوات الله عليه" الإنسان يكون غنيا عندما يعلم أن مصادر الخير عند رب الخير الله تبارك وتعالى، فمن يعشق الغنى سيحرم نفسه من لذائذ كثيرة، لأنه يخاف على ماله يخاف على ثروته، فيبتعد عن سبيل الخير، يجامل السلطان، أهل الفسوق خوفا على هذه الثروة، اللهم بعظمتك فانعشني (العظمة) التي يملكها الله سبحانه، قادرة على أن تجعل حالي أفضل وبسعتك فابسط يدي (السعة) تعني الغير محدود كون الله سبحانه وتعالى مطلق غير محدود، مطلق لا يحده حد، وهو الواسع فلا أحد يستطيع أن يعين هذه السعة، ولا أن يحدد هذه الامتدادات، وتبقى رحمة الله التي تسع كل شيء، الله تعالى رحيم بنا، يبسط الرزق لمن يشاء، (بسعتك ابسط يدي) المبسوطة كناية عن الغنى، بمعنى لا تجعل يدي مقبوضة (القبض) عند الشحة والبسط عند الإمكانية، الرزق هنا يعني المال، حيث يصرف في سبيل الله، و العلم الذي يسخر لخدمة الناس، والجاه لقضاء حوائج الناس.
القضية التي يعنيها سماحة السيد أحمد الصافي قضية دقيقة تحتاج إلى تأمل، إن الرزق كان مالا، أو جاها، أو علما ليست غايات تقصد لأجل نفسها، وإنما هي وسائل تقصد لأجل شيء آخر، المال مهم لكن فائدته في الإنفاق، والمال الذي لا ينفق لا خير فيه، يحاسب حساب الأغنياء، ويعيش عيشة الفقراء، الشيطان يعدهم الفقر، يحبس يد ابن آدم لأنه لا يريد منه أن يكون ضمن قافلة الخير.
تماسك النفس يمنح الإنسان الحصانة من الوقوع في حبائل الشيطان، والتماسك النفسي عند الصبر في الشدائد وعند توفر الخير عندما تعرض له الدنيا.
ومعنى التماسك النفسي عند المؤمن ألا يعمل عكس ما يدعيه، وخلاف ما يقول، وأن لا يعمل خلاف ما يعتقد، هذه المغالطات يعيشها الكثيرون ممن يدعون الإيمان وهم يأخذون الرشوة، لا يقدم الموظف خدمة إلا بمقابل، حتى يصل الأمر إلى أن البعض أطر المفاسد بثوب الصلاح، نجده يغدق على أهله من أموال الحرام، هذا النموذج لا يمكن أن يعترف أن الله سبحانه وتعالى هو الرازق، وأن قالها ليس عن واقع.
أين اصبح موضوع التماسك أمام ضعف الإنسان، أمام المال يذل الإنسان نفسه طمعا فيما في أيدي الناس، والخيانة حين يطعم الإنسان أولاده خبزا حراما

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!