هذا الموضوع احدث هزة وإرباكا في صفوف الشباب المسيحي منذ أن بدأت النقاش فيه.
أقول لإلياس. أيها الجاهل، أول بطريرك بعد رحيل يسوع المسيح رفض أن يُطلق عليه (مسيحي). وهو القديس أثناسيوس الرسولي. الذي ولد وثنيًا. رأى أولاد المسيحيين يقومون بتمثيل الطقوس المسيحية وجعلوا البعض قسوس والبعض شمامسة وأحدهم أسقفًا وطلب اللعب معهم فقالوا له أنت لست مسيحي، فقال لهم أنا من الآن نصراني فجعلوه بطريركًا عليهم. في زمن البابا الاسكندروس.(1) لقد رفض هذا البطريرك لقب مسيحي واختار لقب (نصراني). فهل كان على حق؟
في القرن الأول بعد رحيل يسوع المسيح كان لقب نصارى نصراني أشهر من نار على علم. وذلك بسبب أن كلمة مسيحي في بدايتها كانت شتيمة وإهانة حسب الإنجيل. و يعود أصل لقب نصارى ــ حسب الإنجيل ــ نسبة إلى مدينة الناصرة في فلسطين، ناصرة الجليل حيث سُمّي يسوع بـ الناصري. وقد ورد في الإنجيل لقب ناصري اكثر من سبعة وعشرين مرّة. وكلها تذكر (يسوع الناصري). ولقب ناصري أو نصراني وردت فيه البشارة من قبل الأنبياء وهذا حسب هذه الأناجيل الموجودة كما يذكر متى في إنجيله : (سكن في مدينة يُقال لها ناصرة، لكي يتمُ ما قيل بالأنبياء: إنهُ سيُدعى ناصريا).(2) ومنه أخذ لقب ناصري ونصراني ونصارى. فلم يكن ليسوع المسيح أي لقب آخر فقد كان هذا اللقب مختصا بيسوع المسيح كما نقرأ في لوقا: (الأمور المختصة بيسوع الناصري الذي كان إنسانا نبيا مقتدرا في الفعل والقول أمام الله وجميع الشعب).(3) يقول قاموس شرح الكتاب المقدس : (وعاش يسوع في الناصرة حوالي 28 عامًا حتى بلغ سن الثلاثين).(4) والناصرة هي مدينة امه القديسة مريم ومسقط رأسها. وفي تفسير نص الإنجيل (سيُدعى ناصريا) يقول القمص فكري: (نشأ المسيح في الناصرة ليحمل اسما مشتقا من المكان الذي نشأ فيه، وصار اسمهُ الناصري ومنا اشتق اسم (نصارى) وهو لقب المسيحيين).(5)
ويقول القمص تادرس يعقوب: (كلمة ناصرة ، منها اشتقت نصارى لقب المسيحيين).(6) هؤلاء ثلاث من أعمدة التفسير المسيحي يقولون بأن نصارى كانت اللقب الأول الذي اطلق على من اتبع يسوع المسيح، ناهيك عن قواميس الكتاب المقدس.
القرآن كعادته ارجع مجد هذا اللقب حيث ورد لفظ نصارى (13) مرة. ولم يذكر لفظ مسيحي ولا مرة. وعن ذلك يقول هاربر كولينز: (الناصريين وهي الطائفة المسيحية اليهودية التي آمنت بأن يسوع الناصري كان رجلا عاديا ونبيا من الأنبياء).(7) ومن هذا المنطلق اصبح لدينا (مسيحي ، ونصراني). المسيحيون هم الذين كان أصلهم وثني ثم اعتنقوا الدين ونقلوا معهم الكثير من المعتقدات الوثنية ومنها تعليق جسد يسوع كتمثال معبود تأثرا بوثنيتهم التي كانوا يعبدون فيها آلهة الرومان الشاخصة أمامهم، وأول ذكر لهم بهذا الاسم هو ما ذكره بولص شاول الطرسوسي في رسائله. أما النصارى، فهم طائفة مؤمنة من اليهود اعتنقوا الدين الجديد ونقلوا معهم توحيدهم وإيمانهم. وهؤلاء انقرضوا مع الأسف على يد المسيحيين الوثنيين الذين اظهروا إيمانا وابطنوا الوثنية.( 8 ).
المسيحي اليوم ينكر أن يكون نصرانيا. ويغضب عندما تقول له (نصراني). وهم لا سبب لهم سوى انهم يُعادون كل ما هو قرآني إسلامي. وفي اعتقادي أن المسيحيين لو أطلق عليهم القرآن لقب مسيحي بدلا من نصراني لغضبوا وقالوا نحن (نصارى)لأن هؤلاء مع الأسف شأنهم المغالطة.
بعض المبشرين يحاولون أن يدخلوا في عقول النصارى أن كلمة نصارى فرضت عليهم من قبل المسلمين ، متهمين القرآن الكريم بأنه هو الذي اختلق هذه اللفظة !!
واليكم بعض ردودي على بعض المناقشات التي دارت حوله لنعرف كيف حصل النصارى على هذا الاسم و من الذي أطلقه عليهم ؟؟؟؟
أولا : متى دعي النصارى باسم مسيحيين أول مرة ؟
الجواب مفاجأة دعي المسيحيون بهذا الاسم أول مرة في نحو سنة 42 أو 43 ميلادية و كان الأصل في هذا اللقب شتيمة (نعم شتيمة) هذا ما ورد في قاموس الكتاب المقدس صفحة 889 طبعة 2001 بالحرف الواحد :
( دعي المؤمنون مسيحيين أول مرة في أنطاكية نحو سنة 42 أو 43 ميلادية . (9) ويرجح أن ذلك اللقب كان في الأول شتيمة.(10) قال المؤرخ تاسيتس ( المولود نحو 54 م ) أن تابعي المسيح كانوا أناس سفلة عاميين و لما قال اغريباس لبولس ( بقليل تقنعني أن أصير مسيحيا ).(12) فالراجح انه أراد أن حسن برهانك كان يجعلني أرضى بان أعاب بهذا الاسم.(13)
إذن اصل كلمة (مسيحيين) شتيمة و حتى الملك اغريباس عندما اقتنع بكلام بولس قال ما معناه (كلامك اقنعني أن اتبعك و لا مانع من أن يصفوني مسيحيا علشان خاطرك رغم أنها شتيمة) . ولاحظ أيضا أن أول مرة دعي بذلك كان سنة 42 ميلادية أي بعد أكثر من عشر سنوات من رفع المسيح صاحب الدعوة و الذي لم يذكر هذا الاسم مطلقا حيث لم يرد هذا الاسم إلا في القرن الثاني إذ كان إغناطيوس الأنطاكي هو أول مسيحي يطلق على المؤمنين أسم (مسيحيين) . كما كتب بلليني ــ الحاكم الروماني للمنطقة التي أرسل إليها الرسول بطرس رسالته الأولى ــ للإمبراطور تراجان عن أناس قدموا أمامه بتهمة أنهم (مسيحيون) ومنذ ذلك الوقت أصبح المؤمنون بالمسيح يشتهرون بهذا الاسم).(14)
ولاحظ هنا النص الذي ذكرته دائرة المعارف الكتابية يقول : ولا يرد هذا الاسم ــ مسيحيون ــ إلا في القرن الثاني إذ كان اغناطيوس الأنطاكي أول مسيحي يطلق على المؤمنين اسم مسيحيين. معنى ذلك أن أتباع المسيح كان يطلق عليهم اسم آخر حتى القرن الثاني فما هو هذا الاسم ؟.و هل من المنطق أن يترك المسيح أتباعه بدون اسم ، حتى يطلق عليهم الرومان عبّاد الأصنام لقب مسيحيين .
اسم الديانة أو اسم أتباعها لا يحدده إلا الذي أرسل هذه الديانة و المسيح لم يسميها مسيحية أو قال لاتباعه انتم مسيحيين والكلمة لم ترد في الأناجيل الأربعة.
بسبب بولص انقسمت ديانة السيد المسيح إلى قسمين أو مذهبين فهو أول من ميّز بينهم في رسائله ، فقد كان المؤمنون بالسيد المسيح يُعرفون بأنهم (نصارى). ولكن بعد ظهور بولص ظهر اسم (مسيحي) وهذا ما يذكره بولص في أعمال الرسل عندما يقول : (وفي أنطاكية أطلق على تلاميذ الرب أول مرة إسمُ المسيحيين).(15) فأصبح بذلك النصارى أتباع المسيح يسوع الناصري في أورشليم وضواحيها، وأصبح المسيحيون في بداية الأمر هم أتباع بولص بين الأمم، لأن بولص كان مداهنا ماكرا التصق بالنصارى لكي يبدأ بتنفيذ مخططه. فعندما كان بولص شاول يقود مجاميع ممن اعتنقوا أفكاره ، كان هؤلاء أيضا بداية يُطلق عليهم نصارى ويُنسب بولص إليهم كما نقرأ في أناجيل بولص ورسائله وكذلك في التفاسير اللاحقة ، فكانوا يطلقون على بولص الذي يقود هذه المجاميع بـ زعيم النصارى وهذا ما قاله الجنود الرومان للوالي (وجدنا هذا الرجل مفسدا يُثيرُ الفتن بين اليهود في العالم كله، وزعيما على شيعة النصارى).(16) وكان بولص يُعرف أيضا بأنهُ (إمام لشيعة الناصريين). وكذلك قالوا عنه: (وجدنا هذا المتهم مخربا في البلاد كلها وهو يتزعم مذهب النصارى).(17) ولكن برنابا الذي كان مرافقا لبولص انتبه لما يقوم به بولص فتشاجر معهُ، واختلف مع بولص اختلافا شديدا جدا بسبب أن بولص امتنع عن (ختان) المؤمنين الجدد ، وبرنابا كان يأمر بختان من يدخل الدين الجديد لكونه نصراني وأن يسوع أمر بالختان. وبسبب ذلك فارقه برنابا مع من تبقى من النصارى، وأخذ يُجاهر بلعن بولص ويُشهّر به في كل مكان.(18) وهكذا بدأ بولص بتمييز إنجيله واطلق عليه إنجيل (الغرلة) وأطلق على الإنجيل الذي يحمله بطرس و برنابا (إنجيل الختان).(19) وعلى هذا الأساس وضع بولص أسس المسيحية وهي التي نراها اليوم تسود في أرجاء العالم وهي المسيحية البولصية. ولكن من خلال التأمل في النص نجد أن من اتبع يسوع المسيح هم (النصارى) الذين نصروه وعاضدوه وساندوه فنسبوهم إليه وهم فئة الختان. وهم الذين ذكرهم القرآن ثلاث عشر مرة. وكان من المقدر أن يحصل ذلك في الإسلام وقد حصل عن طريق خلق مذاهب متناحرة اتحدت فيما بينها بالمذاهب الأربعة للقضاء على مذهب واحد يقف حجر عثرة في طريق مخططاتهم التي تدعوا لإعادة الجاهلية، ولكنهم لم يفلحوا لأن لهذه الفرقة دور خطير في تأسيس دولة السلام والعدل الإلهي. وهذا صائرٌ لا محالة بالتعاون مع اتباع يسوع الحق النصارى. الذين بشّرهم يسوع المسيح بأنهم سيبقون أحياء بعده ولا يذوقون الموت، حتى يروا ملكوت الله ومجيء ابن الإنسان.(20)
المصادر:
1- كتاب القطماريس السنوي الدوار لقراءات الأيام ، حكمة القديسين في اختار القراءات، القمص أنطونيوس فكري.
2- إنجيل متى 2: 23.
3- إنجيل لوقا 24 : 19.
4- شرح الكتاب المقدس، الموسوعة الكنسية لتفسير العهد الجديد. شرح لكل آية . تفسير إنجيل متى 2.
5- شرح الكتاب المقدس، العهد الجديد، القمص أنطونيوس فكري، تفسير إنجيل متى 2.
6- شرح الكتاب المقدس العهد الجديد، القمص تادرس يعقوب ملطي، سلسلة من تفسير وتأملات الآباء الأولين، تفسير إنجيل متى 2.
7- كتاب صانع الأساطير: بولس واختراع المسيحية. تأليف : هاربر كولينز ص : 172 ـ 183. سنة 1987.
8- هذه الفقرة حساسة جدا وتحتاج إلى موضوع مستقل.
9- أعمال الرسل 11 : 26 .
10- 1 بطرس 4 : 16.
11- في أعمال الرسل 26 : 28 .
13- قاموس الكتاب المقدس تأليف نخبة من الأساتذة ذوي الاختصاص ومن اللاهوتيين - دار مكتبة العائلة – القاهرة.
14- دائرة المعارف الكتابية- دار الثقافة - القاهرة .
15- سفر أعمال الرسل 11 : 26.
16- سفر أعمال الرسل 24: 5. الترجمة الكاثوليكية، دار المشرق.
17- ترجمة سفر أعمال الرسل 24 ترجمة كتاب الحياة.
18- (انحدر قوم من اليهودية، وجعلوا يعلمون الإخوة أنهُ إن لم يختتنوا، لا يُمكنهم الخلاص. فلما حصل لبولس وبرنابا منازعة ومباحثة ليست بقليلة. فحصل بينهما مشاجرة حتى فارق أحدهما الآخر. وبرنابا أخذ مرقس وسافر في البحر). سفر الأعمال 15 : 1 ـ 39.
19- يقول بولص عن الأناجيل : (أني اؤتمنت على نجيل الغرلة كما بطرس على إنجيل الختان). رسالته إلى غلاطية 2 : 7.
20- (الحق أقول لكم: إن من القيام ههنا قوما لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيا في ملكوته). إنجيل متى 16 : 28. والقرآن أيضا اخبرنا بأن هؤلاء النصارى سوف يبقون أحياء إلى يوم القيامة ، وسبب بقائهم هو تصديهم للفرق المسيحية الباطلة التي تكن لهم العداء كما نقرأ في سورة المائدة: 14 (ومن الذي قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة). فهم موجودين إلى يوم القيامة، ولكن كيف لا نعلم ذلك. وقد يقول قائل أن الله ذمهم في هذه الآية. وأقول ذلك ما يبدو على الظاهر ولكن التأويل يقول بغير ذلك بسبب أن الله مدحهم مدحا جيدا في نفس السورة في آية : 82 (لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى. ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون). والقرآن لا يذم أو يمدح من دون سبب، فللرب الحكمة العالية


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!