منذ عقود يكرر العراق الخطأ نفسه: يبيع النفط ليشتري كل شيء. وحين يتعثر النفط، يتعثر البلد كله. هذه ليست أزمة عابرة، بل خلل هيكلي في طريقة إدارة الاقتصاد.
المشكلة ليست في قلة المال، وإنما في عقلية «الدولة التوزيعية». تحولت الدولة إلى مكتب رواتب ضخم، لا تنتج ولا تصنع ولا تزرع. أصبح النفط بالنسبة إليها أقرب إلى راتب شهري، تدفع منه أجور الموظفين وتموّل به استيراد حاجات الناس، من الإبرة إلى السيارة.
هذا الاعتماد صنع اقتصاداً هشاً. أي هزة خارجية، أو إغلاق لممر مائي، أو انخفاض في أسعار النفط، يتحول سريعاً إلى ارتباك في بغداد، لأننا لم نبنِ اقتصاداً آخر نستند إليه عندما تهتز عائدات النفط.
والأخطر من ذلك غياب الرؤية بعيدة المدى. أين الخطة التي تقول إن العراق سيخفض اعتماده على النفط خلال عشر سنوات إلى النصف؟ أين خارطة طريق الصناعة والزراعة؟ وأين البيئة التي تمنح القطاع الخاص فرصة حقيقية للعمل والاستثمار؟ ما زالت الموازنات تميل إلى الإنفاق الجاري والاستهلاك، فيما يتراجع التفكير بالمستقبل. نبني اليوم لننفق غداً، لكننا لا نسأل بما سننتج بعد عشر سنوات.
والنتيجة جيل تعود على الوظيفة الحكومية بوصفها حقاً شبه مقدس، وقطاع خاص ضعيف ومحاصر، واستثمار أجنبي تصده البيروقراطية والفساد، وفلاح ترك أرضه لأن الاستيراد أسهل وأرخص.
لا يوجد حل سحري. البداية تكون بالاعتراف بأن زمن «النفط يكفي الجميع» قد انتهى. على الدولة أن تنسحب تدريجياً من المجالات التي لا تحتاج إلى وجودها المباشر: تدعم وتنظم وتراقب، لكنها لا ينبغي أن تكون المشغّل والمنتج الأول.
نحتاج إلى قطاع خاص عراقي قوي، وبنوك قادرة على الإقراض، وقوانين تحمي المستثمر، وبيروقراطية أقل. فمن دون قطاع خاص منتج سيبقى المواطن ينتظر الوظيفة من الدولة، وستبقى الدولة أسيرة تضخم جهازها الوظيفي.
العراق كان سلة غذاء، واليوم يستورد كثيراً من غذائه. وكانت لديه صناعة قادرة على تلبية جانب مهم من حاجاته، واليوم يستورد حتى مواد البناء. المطلوب ليس إغلاق السوق أمام العالم، بل حماية ذكية ومؤقتة للمنتج المحلي، وإعادة تأهيل المعامل المتوقفة، وتوفير التمويل للفلاحين، وربط التعليم الجامعي بحاجات الصناعة وسوق العمل.
ولا يمكن أن يستمر الاقتصاد في إنفاق معظم موارده على الجانب الجاري. نحتاج إلى الانتقال من «دولة الرواتب» إلى «دولة المشاريع». وكل مشروع جديد يجب أن يجيب عن سؤال بسيط: هل ينتج سلعة أو خدمة؟ هل يوفر فرص عمل؟ هل يضيف قيمة حقيقية للاقتصاد؟ إذا كانت الإجابة لا، فلماذا ننفق عليه؟
التنويع الاقتصادي لا يعني السياحة الدينية وحدها. يعني طاقة شمسية في الصحراء، وصناعات بتروكيماوية بدلاً من الاكتفاء بتصدير النفط الخام، واقتصاداً معرفياً وتكنولوجياً، وموانئ وترانزيت يستفيد من موقع العراق بين الشرق والغرب. لدينا الجغرافيا والتاريخ والموارد البشرية، لكننا لم نحول هذه المزايا إلى اقتصاد متنوع ومستدام.
الخطر الأكبر على العراق ليس انخفاض أسعار النفط وحده، بل استمرار العقلية التي تجعل النفط الحل الوحيد لكل مشكلة. فإذا استمررنا في الانتظار، فلن تأتي المعجزة.
الإصلاح يحتاج إلى شجاعة سياسية وشجاعة مجتمعية: شجاعة من الحكومة لتقول «لا» للتعيينات العشوائية، وشجاعة من المجتمع لقبول حقيقة أن الوظيفة الحكومية ليست الطريق الوحيد إلى الحياة الكريمة، وأن العمل الحر والزراعة والصناعة ليست بدائل اضطرارية، بل ركائز لاقتصاد سليم.
إما أن نبدأ اليوم ببناء اقتصاد حقيقي، أو نبقى رهائن لبرميل النفط إلى أن ينفد صبر العالم، أو ينفد النفط نفسه.
✦كتابات في الميزان✦
يضع المقال إصبعه على الخلل البنيوي في الاقتصاد العراقي، حيث تحولت الدولة من صانعٍ للتنمية إلى موزّعٍ للرواتب والعوائد النفطية. ويؤكد أن المشكلة ليست في نقص الموارد، بل في غياب الرؤية التي تنقل العراق من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج. كما يدعو إلى تنشيط الصناعة والزراعة والقطاع الخاص، وربط التعليم بسوق العمل، وتحويل الإنفاق العام من الاستهلاك إلى المشاريع المنتجة. وخلاصة المقال أن بقاء العراق رهينةً للنفط ليس قدراً، بل نتيجة سياسة يمكن تغييرها إذا توفرت الإرادة والرؤية.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!