ليستْ كلّ طاعة فضيلة، وليسَ كلّ عصيان جريمة، فحينَ تتحولُ الطاعةُ إلى إلغاءٍ للعقل، ويصبحُ تنفيذُ الأمرِ مقدما على حفظِ النفس، لا يعودُ الإنسانَ مسؤولاً عنْ قراره، بلْ يتحولُ إلى أداة، لتنفذَ ما يطلبُ منها، حتى لوْ كانَ الثمن حياته وحياةْ الآخرين.
تروي أحداثِ الحربِ العالميةِ الثانيةِ في مدينةِ أوكيناوا اليابانية، قصةٌ مؤثرةٌ عنْ معلمةٍ طلبَ منها أنْ تهيئَ تلاميذها للموت، بديلاً عنْ الاستسلام، لكنها اختارتْ أنْ تقولَ لهم: (عيشوا ) ، نظرتْ المعلمةُ إلى طلابها، وقالتْ لهمْ ما لمْ يكنْ متوقعا: (عيشوا … لا تموتونَ ) ، كانتْ كلمات قليلة، لكنها كانتْ أكبرَ منْ الخوف، لمْ يكنْ موقفها جبنا، ولا هروبا منْ المسؤولية، بلْ كانَ شكلاً منْ أشكالِ الشجاعةِ الإنسانية؛ فقدْ أدركتْ أنَ مهمتها الأولى هيَ حمايةُ الأطفال، وأنَ الحياةَ ليستْ جريمةً تستحقُ العقاب.
لمْ تكنْ المسألةُ ، مجردَ مخالفةٍ لأمر، بلْ كانتْ لحظة انتصرَ فيها الضميرُ الإنسانيُ على منطقِ الحرب، فقدْ أدركتْ أنَ مهمةَ المعلمِ ليستْ أنْ يعلمَ الأطفال كيفَ يموتون، وإنما أنْ يمنحهمْ أسبابا للعيش.
لقدْ كشفتْ مأساةُ أوكيناوا حقيقةً قاسية: حينَ تتحولُ الأوامرُ إلى غايةٍ بحدِ ذاتها، قدْ يصبحُ الإنسانُ مستعدا للتضحيةِ بأغلى ما لديهِ دونَ أنْ يسأل: لماذا؟ ومنْ أجلِ ماذا؟
أما التضحيةُ الحقيقية، فلا تكونُ بالانتحار أو الموتِ منْ أجلِ شخصٍ أوْ سلطةٍ أوْ شعار، وإنما حينَ تكونُ دفاعا عنْ الإنسانِ والوطنِ والحريةِ والكرامة، لعلَ أجملَ ما يمكنُ أنْ نتعلمهُ منْ تلكَ المأساة، أنَ الحياةَ ليستْ جبن، ورفضَ الموتِ العبثيِ ليسَ خيانة، والشجاعة أحيانا لا تكونُ في مواجهةِ الموت، بلْ في امتلاكِ الشجاعةِ لقول: عيشوا، فالحروبُ تنتهي، والقادة يرحلون، والشعارات تتغيرُ لكنَ الإنسانَ الذي ينقذُ حياته، يستطيعُ أنْ يبنيَ بعد الحربُ حياةٌ جديدة.
إن كلمة (عيشوا) … ربما كانتْ تلكَ الكلمةُ القصيرةُ أكثرَ إنسانيةً منْ آلافِ الأوامرِ التي قادتْ البشرُ إلى الموت.
هنا يبرزُ سؤالٌ أكبرُ منْ قصةِ الحرب: هلْ تكونُ الطاعةُ قيمةً مطلقة، حتى عندما تتعارضُ معَ العقلِ والضميرِ والإنسانية؟ لقدْ كرمَ اللهُ الإنسانَ بالعقل، ولمْ يجعلهُ مجرد منفذٍ أعمى، يقولُ تعالى: (ولا تقفُ ما ليسَ لكَ بهِ علمٌ إنَ السمعَ والبصرَ والفؤادَ كلُ أولئكَ كانَ عنهُ مسؤول) الإسراء: 36، فالإنسانُ مسؤول عنْ سمعهِ وبصرهِ وفؤاده، أيْ عنْ إدراكهِ واختيارهِ وموقفه، لذلكَ لا يمكنُ أنْ يكونَ تنفيذُ الأمرِ مبررا لإلغاءِ المسؤوليةِ الأخلاقية.
تتكررُ هذهِ الحالةُ في العديدِ منْ الدول، ولكنْ بأشكال وصور أخرى، ولا سيما ما يسمى بالدولِ العالمُ الثالثُ في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيثُ يقدمُ بعضُ الأشخاص أرواحهم، ويموتونَ دفاعا عنْ بقاءِ قادةٍ في الحكم، فيضحونَ منْ أجلِ الأشخاصِ، لا منْ أجلِ الوطن، أوْ يبيعونَ حياتهمْ في سبيلِ حفنةٍ منْ المال، بينما يتركونَ أسرهمْ وأطفالهمْ يواجهونَ الفقرَ والحاجة، قدْ ينتهي بهمْ الأمر إلى التسولِ في إشاراتِ المرور.
يقولُ اللهُ سبحانهُ وتعالى: (لا يكلفُ اللهُ نفسا إلا وسعها) البقرة: 286، وكذلكَ قولهِ سبحانهُ وتعالى: (ولا تقتلوا أنفسكمْ إنَ اللهَ كانَ بكمْ رحيما) النساء: 29.
منْ هنا، فإنَ حفظَ الحياةِ ليسَ ضعفا، والامتناع عنْ تنفيذِ أمرٍ يؤدي إلى هلاكِ الأبرياءِ ليسَ بالضرورةِ عصيانا مذموما؛ فقدْ يكونُ هوَ الموقفُ الأكثرُ شجاعةً ومسؤولية، حتى في الأنظمةِ العسكرية، حيثُ تقومُ الجيوشُ على الانضباطِ وتنفيذِ الأوامر، لا ينبغي أنْ يتحولَ الانضباطُ إلى طاعةٍ عمياءَ تلغي الضميرَ والعقل،
لقدْ وضعَ القرآنُ مبدأً بالغَ الأهميةِ في قولهِ تعالى: (وتعاونوا على البرِ والتقوى ولا تعاونوا على الإثمِ والعدوان) المائدة: 2.
في الموقفِ الإنسانيِ الصحيح، ليسَ السؤال دائما: هلْ أطعت الأمر؟ بلْ السؤال الأهم: ماذا، فعلتْ بعقلي وضميري عندما صدرَ الأمر؟ فقدْ تكونُ كلمة (لا) في لحظةٍ واحدة، أكثر شجاعةٍ وإنسانيةٍ منْ ألفِ كلمةٍ (نعمْ ) .


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!