تتسارع في المنطقة تحولات سياسية وأمنية عميقة، ولا سيما في الملف الكردي، بما يفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز حدود الأحداث اليومية إلى طبيعة المرحلة المقبلة، ومستقبل التنظيمات المسلحة، وعلاقتها بالدول التي تنشط داخل حدودها. فبعد التحولات التي شهدتها الساحة السورية، وما سبقها من تطورات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني (PKK)، يبرز سؤال مشروع: هل وصل مسار إعادة ترتيب التنظيمات الكردية المسلحة إلى مرحلة جديدة قد تمتد آثارها إلى إقليم كردستان والبيشمركة؟
إذا كان الهدف هو خفض التوترات بين تركيا وجارتيها سوريا والعراق، فإن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في انتقال التنظيمات المسلحة من العمل العسكري إلى العمل السياسي والمدني، والاندماج في المؤسسات الدستورية للدول التي يعيش فيها أفرادها ومجتمعاتها.
هنا يبرز سؤال آخر أكثر حساسية: هل يجري ذلك بتوجيه أو تشجيع أميركي بعد تراجع الدعم لبعض هذه القوى، أم أننا أمام خارطة سياسية وأمنية جديدة للشرق الأوسط، يجري رسم ملامحها تدريجيًا؟ من الطبيعي أن تسعى الولايات المتحدة إلى حماية مصالحها وتحقيق توازنات جديدة في المنطقة، وتعمل على تعزيز علاقاتها بحليفتها تركيا، بما يخفف من مصادر التوتر على حدودها، ويدفع التنظيمات الكردية المسلحة نحو أطر سياسية ومدنية داخل الدول التي تنتمي إليها جغرافيًا ووطنيًا.
إن السياسة لا تعرف، في الغالب، صداقة دائمة أو عداوة دائمة؛ بل تعرف مصالح دائمة ومتغيرة وفقًا لموازين القوى والظروف الدولية والإقليمية. فما كان حليفًا في مرحلة قد يصبح عبئًا في مرحلة أخرى، وما كان ضروريًا في حسابات الأمن قد يفقد أهميته عندما تتغير المعادلات.
هنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فقد تقول تنظيمات مسلحة في لحظة ما إنها أنهكتها الحرب، وتريد الانتقال من السلاح إلى السياسة، وإنها حملت السلاح دفاعًا عن حقوق شعبها ومطالبه المشروعة.
يعد هذا حقها في التعبير عن رؤيتها السياسية، لكن الانتقال من العمل العسكري إلى العمل السياسي لا ينبغي أن يعني، بالضرورة، إلغاء التاريخ أو إنكار التضحيات أو التعامل مع الذين فقدوا حياتهم وكأنهم كانوا مجرد أرقام في مرحلة انتهت. إن احترام الشهداء والتضحيات لا يتعارض مع مراجعة الوسائل السياسية.
إن التخلي عن السلاح لا يعني التخلي عن الحقوق السياسية والثقافية والقومية التي ناضلت من أجلها أجيال؛ فالسياسة، في جوهرها، هي القدرة على تحويل المطالب إلى حقوق دستورية ومؤسسات قانونية، لا مجرد الاحتفاظ بالسلاح إلى الأبد.
هنا نصل إلى السؤال العراقي الأكثر حساسية: إذا كان المطلوب في المنطقة هو حصر السلاح بيد الدولة، فهل يمكن أن يصل هذا المسار مستقبلًا إلى البيشمركة في إقليم كردستان؟ ويكون الحل بدمج قوات البيشمركة بالكامل في القوات المسلحة العراقية، بحيث تصبح جزءًا من منظومة الدفاع والأمن الاتحادية، وتعمل تحت إدارة وزارتي الدفاع والداخلية، أم تبقى لها خصوصيتها المؤسسية والعسكرية ضمن الإطار الدستوري الذي ينظم وضع الإقليم وقواته؟
إن الإجابة عن هذا السؤال المهم لا ينبغي أن تكون انفعالية، لا من بغداد ولا من أربيل.
إن البيشمركة ليست مجرد تشكيل عسكري يمكن اختزاله بقرار إداري؛ فهي مؤسسة ارتبط تاريخها بتاريخ الحركة السياسية الكردية، وقدمت تضحيات كبيرة، وأصبحت جزءًا من الواقع السياسي والأمني للإقليم. في المقابل، فإن العراق، بوصفه دولة اتحادية ذات سيادة، يحتاج إلى منظومة دفاع وطنية واضحة، يكون فيها قرار الحرب والسلم خاضعًا للدستور والمؤسسات الاتحادية، ولا تتعدد فيها مراكز القرار العسكري بما يهدد وحدة الدولة وسيادتها.
لهذا فإن النقاش الحقيقي ليس: هل تبقى البيشمركة أم تختفي؟ بل: كيف يمكن تنظيم وضعها دستوريًا وقانونيًا بما يحفظ خصوصية الإقليم، ويصون، في الوقت نفسه، سيادة العراق ووحدة قراره الدفاعي؟
فالبيشمركة، وفق الرؤية الدستورية التي تستند إليها سلطات الإقليم، ليست جيشًا مهمته محاربة العراقيين، ولا ينبغي أن تتحول إلى قوة تستخدم ضد أبناء الوطن بسبب خلاف سياسي. وفي الوقت نفسه، فإن الدولة العراقية مطالبة بأن تضمن حقوق مواطنيها ومكوناتها، وتجعل الخلافات السياسية والقومية تُدار عبر المؤسسات والقانون، لا عبر السلاح.
لقد حقق إقليم كردستان، خلال العقود الماضية، تجربة عمرانية وتنموية تستحق التقدير في جوانب عديدة، ومن حق العراقيين أن يتمنوا أن تنتقل هذه التجربة إلى جميع المحافظات العراقية، بحيث تصبح التنمية والإعمار والخدمات والمشاريع الاقتصادية معيارًا للتنافس بين المحافظات، بدلًا من أن يكون التنافس قائمًا على النفوذ السياسي أو الأمني. لكن التحدي الأكبر يبقى في استقلال القرار العراقي.
إن عبارة «جاك الذيب، جاك الواوي» ما زالت تختصر في الوعي العراقي حالة القلق من أن يبقى القرار الوطني محكومًا بتدخلات إقليمية ودولية، ويتحول العراق إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح الآخرين أكثر مما تتقاطع فيها مصالح أبنائه. لقد أثبت التاريخ أن الدول الكبرى لا تتحرك بدافع العاطفة، وإنما وفق مصالحها الاستراتيجية.
لذلك، فإن التعويل الدائم على الحليف الخارجي قد يوفر حماية مؤقتة، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلًا عن بناء دولة قوية، ومؤسسات مستقرة، وقرار وطني مستقل. فإن مصلحة إقليم كردستان، قبل غيره، تقتضي النظر إلى بغداد بوصفها الشريك الدستوري والسياسي الطبيعي، لا باعتبارها مجرد طرف في معادلة إقليمية.
فمهما اختلفت الرؤى بين بغداد وأربيل، يبقى مصيرهما مرتبطًا بإطار دستوري واحد، وجغرافيا واحدة، ومصالح اقتصادية وأمنية واجتماعية مشتركة. أما القوى الدولية والإقليمية، فإن حساباتها تتغير بتغير مصالحها؛ فقد يأتي يوم يصبح فيه ما كان بالأمس ضرورة استراتيجية مجرد ورقة انتهى دورها.
لذلك، فإن الحكمة السياسية تقتضي ألّا يبني أي طرف مستقبله على وعود الآخرين، بل على تفاهماته الوطنية، ومؤسساته الدستورية، وقدرته على حماية مصالحه بالحوار والقانون.
✦ كتابات في الميزان✦
المقال يلتقط تحولًا إقليميًا مهمًا يتمثل في انتقال بعض التنظيمات الكردية من منطق السلاح إلى منطق السياسة، ويضع هذا التحول في سياق أوسع يتعلق بإعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط. وتبرز أهميته حين ينقل السؤال إلى الداخل العراقي، ولا سيما مستقبل البيشمركة وعلاقتها بالدولة الاتحادية، بعيدًا عن الطرح الإلغائي أو الانفعالي. والخلاصة التي يصل إليها النص أن ضمان الحقوق والسيادة معًا لا يتحقق بالاعتماد على الخارج، بل عبر تسوية وطنية دستورية تجعل السلاح خاضعًا للدولة والسياسة خاضعة للقانون.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!