اليوم، العالم كله يبدي اهتمامًا واسعًا برسوم الأطفال، وكان أول اهتمام برسوم الأطفال في مقالة نشرها الباحث بنز كوك، وذلك في عام 1885، وفق مقالات وصف فيها مراحل نمو رسومات الأطفال، وأظهر فيها أهمية الرسومات في حياة أطفالنا الذين يتفاعلون مع الطبيعة والبيئة بعفوية وإحساس كبير، وعن استعداداتهم وميولهم كذلك.
فالرسم له أهمية كبرى في تكوين شخصية الطفل وحالته النفسية، ووسيلة اتصال وتفاعل خلاق يبغي من خلالها طفلنا التعبير عن حسه الفني لإثارة الإعجاب؛ وذلك لأن أطفالنا فنانين بالفطرة.
لا لأن الرسم يسمح لهم بتصوير الوسط المحيط بهم والمشاركة فيه فحسب، ولا لأنه يوضح لهم الأسئلة التي يطرحونها، بل لأن الرسم يساعدهم في تركيب المعطيات وصياغة المسائل التي تردهم من كل جهة على نحو غير منتظم. وبواسطة الرسم يتوصلون إلى عزلها وتركيبها بما يشبه تركيبات منظمة وصحيحة تقريبًا.
والرسوم عند الأطفال تكشف عن رغباتهم وأحاسيسهم وميولهم، وهذا يساعد المربين على توجيههم عن طريق ذلك. وهي بالتالي تلبي لديهم حاجات مختلفة، كون الرسم يفترض موقفًا عاطفيًا يختلف كل الاختلاف عن الرغبة والخوف. فالرسم تعبير لروح الخلق عند الطفل؛ لأنها التجربة الأولى التي يؤديها بقدرتها، وهي تحمل في طياتها الطابع الابتكاري الأصيل.
بعد إنهاء رسمه، أن يعرضها عليه، سواء كان هذا الإنسان أبًا أو أمًا أو معلمًا أو شخصًا آخر يثق به، كأن يقول له: «هذا رسمته لأجلك». وعندما يرسم الطفل خربشة على ورقته، فهو يمثل شكلًا من أشكال اللعب والسرور بدءًا من عامه الثاني أو الثالث، ويشرع في إعطاء أسماء لرسمه، مما يدل على أنه يريد إسناد بعض المعاني المأخوذة من خلال عالمه الخارجي إلى رسومه.
فهو عندما يغطي ورقته بالخطوط يعبر عن رغبته في الحصول على أكبر قدر ممكن من عاطفة والديه، وهذا ما أكده الباحث والمربي يوفيرا ريس آنا أوليفر في كتابه رسومات الأطفال ومعانيها. ومن ثم تتحسن هذه الخطوط والأشكال تدريجيًا بصورة أكثر سهولة، ويتم تحديدها وإثراؤها بالملامح التي تأخذ شكل الأيقونات الجميلة.
فالطفل يعمد إلى تصوير الشخص في رسمه مبتدئًا من الدائرة التي تشكل الرأس، ويتفرع منها الجسم والأيدي والأرجل. وفي هذه الدائرة يقوم بوضع ملامح الوجه، برسم العين كدائرتين صغيرتين واضعًا نقطتين فيهما تمثلان الحدقتين. وهذا التمثيل الأكثر دقة نراه بصورة نادرة في سن الخامسة والسادسة، ومن ثم يكمل بقية الوجه، وهذه الفترة الطويلة نجدها القسم الأكثر إتقانًا في رسوماتهم.
وعندما يرسمون أشخاصًا أو حيوانات أو نباتات بشكل جانبي، فإن هذا الأسلوب في الرسم يذكرنا بالرسومات الفرعونية المصرية القديمة. ومن الملاحظ في رسوماتهم أن أغلب الأطفال يميلون إلى رسم أبناء جنسهم؛ فالذكور يرسمون الأولاد والرجال، وأما الإناث فيرسمن الفتيات والنساء.
وفن الرسم عند الأطفال هو عملية تفكير إبداعية خلاقة متدرجة، مصحوبة بنمو عقلي، تعبر عن مشاعرهم وانفعالاتهم الذاتية، ويمكن اعتبارها مفاتيح للنمو في جميع زواياه الجسمية والعقلية والنفسية والوجدانية؛ ولذلك فإن رسومهم هي سجل يبين مدى تطورهم ونموهم في كل هذه الجوانب والزوايا.
كما تتنوع رسوم الأطفال في مستوياتها، حيث يمكن تمييز الطفل الذكي من الضعيف عقليًا، واعتبار الرسوم هي المفتاح الذي يكشف عن الصلة بين النمو الزمني ونمو إدراكه وذكائه من جانب آخر.
فالرسومات تضيء حجرات المخيلة لديهم، وتنشط جسم الفكر، وتزيد الاهتمام بالشعور الوجداني. وقد تُعتبر رسوماتهم لغزًا محيرًا أحيانًا قد يصعب حله، وقد تكون في أحيان أخرى تفريغًا للشحنات السلبية داخلهم، عندما لا تستطيع الكلمات والعبارات أن تسعفهم.
فهو إذ يرسم يفرغ بالألوان مكنونات نفسه من دون أن يدرك أن رسوماته تنبئ عنه. وكما يقول المحللون النفسيون: «إن الطفل، سواء خربش أو خط على الجدران أو على مقعده أو أوراق تخص الآخرين بحركة تلقائية متنوعة، فهو بكل الأحوال أراد أن يقول شيئًا ما»، وهذا الشيء هو ما حاولوا الوصول إليه.
فالرسم ليس مجرد لعبة أو تسلية أو إضاعة للوقت، بل لغة خاصة تتألف عناصرها من الخطوط والألوان ومكنونات نفسه، لتظهر مشاعره ونظرته الشاملة إلى العالم وإدراكه لنفسه.
وهي من أهم الوسائل والعوامل التي تدل على قدرة الطفل التخيّلية والذهنية، وهو ميال بالفطرة إلى تجميل الذات ومنحها رسمًا جميلًا.
✦ كتابات في الميزان ✦
ينظر المقال إلى رسم الطفل بوصفه لغةً موازية للكلام، تكشف ما قد يعجز عن التعبير عنه لفظيًا، وتتيح للمربي نافذة على عالمه النفسي والوجداني. وتبرز قيمته في الربط بين الرسم والنمو العقلي والخيال والابتكار، لا باعتباره نشاطًا ترفيهيًا فحسب. والأهم أن النص يلفت إلى أن الخربشة الأولى نفسها قد تكون بداية تشكل لغة داخلية كاملة، تتطور مع الطفل وترافق نمو وعيه بذاته والعالم.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!