لا يحتاج العراقي إلى أرقام معقدة كي يدرك أن بلاده تدخل عام 2026، وهي مثقلة بما يكفي من التحديات. المسألة لم تعد أزمة عابرة يمكن تجاوزها بإجراءات ظرفية، بل تقاطع أزمات بنيوية تحتاج إلى قرار سياسي مختلف، وإلى شجاعة في تسمية المشكلات كما هي.
اقتصاد أسير الريع
حين تعتمد الموازنة العراقية بهذا الشكل الكبير على عائدات النفط، فإن الاقتصاد يصبح رهينة لتقلبات السوق والأزمات الإقليمية. وما يحدث في مضيق هرمز وأسواق الطاقة يذكّرنا دائماً بأن الاعتماد على مورد واحد ليس قوة، بل نقطة ضعف استراتيجية.
العراق يوقّع صفقات بمليارات الدولارات لتطوير حقوله النفطية، وهذا أمر مهم، لكن السؤال الأهم: هل تتحول هذه الاستثمارات إلى صناعة وطنية وفرص عمل وأمن للطاقة، أم نبقى نبيع الخام ونستورد معظم احتياجاتنا؟
لا يمكن الحديث عن تنويع اقتصادي من دون إرادة سياسية تحمي القطاع الخاص، وتواجه البيروقراطية، وتضع حداً للفساد الذي يحول دون قيام اقتصاد منتج.
كهرباء بلا حل جذري
كل صيف يعود ملف الكهرباء إلى الواجهة، وكأن المشكلة اكتُشفت للمرة الأولى. محطات جديدة، ووعود جديدة، وإنفاق ضخم، لكن المواطن ما زال يبحث عن تجهيز مستقر.
المشكلة ليست في الإنتاج وحده، بل في منظومة الكهرباء كاملة: التوليد، والنقل، والتوزيع، والجباية، والغاز، والهدر الفني، والتجاوزات.
لذلك، فإن الحل لا يكون بمحطة جديدة كل صيف، ولا باستمرار الاعتماد على استيراد الطاقة. المطلوب إصلاح الشبكة، واستثمار الغاز المحلي، وتقليل الهدر، ووضع عقود واضحة تخضع للرقابة والمحاسبة.
المواطن دفع كثيراً، وحان الوقت لأن يرى نتيجة ملموسة.
سيادة منقوصة
من حق الدولة أن تحتكر قرار السلاح، ومن حق الحكومة أن تفرض القانون على الجميع. ولهذا، فإن أي خطوة باتجاه حصر السلاح بيد الدولة تمثل اختباراً حقيقياً لجدية بناء الدولة.
مناخ ينهش الأرض
التصحر، وتراجع الموارد المائية، وجفاف الأهوار، ليست ملفات بيئية هامشية يمكن أن تنتهي بخبر في نشرات الأخبار. إنها قضايا تتعلق بالأمن الغذائي والمائي، وبمستقبل العراق نفسه.
تراجع مناسيب دجلة والفرات، وزحف التصحر، وتراجع المساحات الزراعية، كلها مؤشرات تستوجب سياسة وطنية طويلة الأمد، إلى جانب تفاوض جاد وفعّال مع دول المنبع.
العراق يحتاج أيضاً إلى تغيير طريقة استخدام المياه، وتطوير الزراعة، ومواجهة الهدر، وحماية ما تبقى من أراضيه الزراعية.
الدولة أم التوازنات؟
التحدي الأكبر في العراق ليس فنياً. لدينا الخطط والخبرات والأموال والشباب. المشكلة الحقيقية تكمن في القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه بعيداً عن منطق المحاصصة وتبادل المصالح.
مكافحة الفساد لا تكون بحملات إعلامية فقط، وإنما بمنظومة مالية ورقابية ورقمية تمنع التلاعب، وتعاقب من يثبت تورطه.
وحصر السلاح بيد الدولة لا يكون بالخطاب وحده، بل بخطوات عملية وجداول زمنية واضحة، وبناء مؤسسة أمنية وعسكرية مهنية.
والكهرباء لا تُحل بالوعود، بل بعقود شفافة، وشبكات كفوءة، وإدارة قادرة على المحاسبة.
العراقيون لا يطلبون المعجزات. إنهم يريدون كهرباء مستقرة، وماءً كافياً، وفرص عمل، وخدمات لائقة، ودولة تحترم مواطنيها.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إذا لم تبدأ الدولة اليوم، فمن سيبدأ؟ وإذا لم نواجه المشكلات كما هي، فإلى متى نستمر في معالجة أزمات العراق بالمسكنات؟
2026 يجب أن يكون عام المكاشفة، لا عام تأجيل المشكلات.
✦ كتابات في الميزان ✦
يضع المقال أزمات العراق في إطار واحد، فلا يتعامل مع الكهرباء أو المياه أو الاقتصاد أو السلاح بوصفها ملفات منفصلة، بل بوصفها نتائج لأزمة أعمق تتصل بالإدارة والقرار وبناء الدولة. ويبرز النص أن امتلاك الموارد والخطط لا يكفي ما لم تقترن بالإرادة والتنفيذ والمحاسبة. كما يحمل عنوان «وقت المكاشفة» رسالة واضحة مفادها أن استمرار الحلول المؤقتة لم يعد مجدياً، وأن معالجة المشكلات البنيوية تحتاج إلى قرارات تتجاوز إدارة الأزمة إلى إنهائها.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!