كلما أوشك العراقيون على الالتفات إلى همومهم الحقيقية: الكهرباء، والماء، والوظائف، والمستشفيات، والخدمات، ظهر من يحاول تعكير الماء. فتُرمى حجارة الطائفية في بركة مثقلة أصلًا بالأزمات، وتعلو أمواجها، ويضيع صوت الناس وهم يطالبون بحقوقهم.
لماذا يعود الخطاب الطائفي الآن؟
لأنه، رغم أن بضاعته أصبحت كاسدة لدى قطاعات واسعة من العراقيين، ما يزال قادرًا على تحقيق أرباح سياسية سريعة. فعندما تتعثر الحكومات في تقديم الخدمات، وتتأخر معالجة الملفات الكبرى، وتقترب الانتخابات، يعود بعض «تجار الهوية» إلى بيع الخوف؛ فيُستبدل الحديث عن التقصير بفكرة الاستهداف، وتتحول مشكلات الناس اليومية إلى معارك هوية.
وغالبًا ما يتقاطع ذلك مع ضغوط إقليمية ودولية؛ فكلما ارتفع مستوى التوتر في المنطقة، ارتفعت معه أصوات تتحدث عن «استهداف» هذا الطرف أو ذاك، وكأن الخوف يمكن أن يكون بديلًا عن المساءلة.
أين يجري الصيد؟
لم يعد الصيد مقتصرًا على المنابر والفضائيات، فقد انتقل جزء كبير منه إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر الحسابات الوهمية، والمقاطع المجتزأة، والأخبار القديمة التي يُعاد تقديمها وكأنها أحداث وقعت اليوم.
والهدف، في كثير من الأحيان، ليس إقناع المتلقي بوجهة نظر، بل استفزازه؛ فالغضب يجلب التفاعل، والتفاعل يمنح المحتوى مزيدًا من الانتشار، وكلما اتسعت دائرة الاستفزاز أصبح من السهل إعادة إنتاج الخطاب نفسه.
لكن هناك فارقًا مهمًا اليوم؛ فالعراقي لم يعد يتلقى هذا الخطاب كما كان يفعل في مراحل سابقة. لقد أظهرت السنوات الماضية كلفة الانقسام، وأصبح كثير من العراقيين أكثر وعيًا بمحاولات جرّهم إلى معارك لا تمس حياتهم اليومية.
ولهذا، تبدو عبارات مثل: «كافي»، و«ملّينا»، و«اشتغلوا»، أكثر حضورًا من لغة التخويف والتحريض.
من هم الصيادون؟
يمكن النظر إلى الصيادين في الماء العكر من خلال ثلاثة نماذج رئيسية:
أولهم **الفاشلون سياسيًا**، ممن لا يملكون مشروعًا أو إنجازًا يقدمونه إلى الناس، فيبحثون عن عدو يلتفون حوله.
وثانيهم **تجار الأزمات**، الذين تتحول الفوضى بالنسبة إليهم إلى مصدر للنفوذ، وتصبح حالة الخوف المستمرة شرطًا لبقاء حضورهم.
وثالثهم **أدوات الخارج**، ممن يستخدمون الانقسام الداخلي لتحقيق أجندات تتجاوز مصلحة العراق والعراقيين.
ويمكن أن نضيف إليهم، اليوم، طبقة الفاسدين الذين كُشفت ملفاتهم أمام الرأي العام العراقي، فباتوا يبحثون عن الأزمات والانقسامات لإشغال الناس وصرف الأنظار عن فسادهم.
وماذا عن الحكومة؟
لا يكفي الشجب والتنديد وحدهما، بل المطلوب تطبيق القانون بعدالة على كل من يحرّض على الكراهية أو يهدد السلم الأهلي، من دون انتقائية أو حسابات سياسية.
كما يحتاج الفضاء الرقمي إلى معالجة أكثر جدية، بالتعاون مع المنصات الرقمية، لمواجهة الحسابات والشبكات التي تنتهك القانون وتحرض على العنف والكراهية، مع الحفاظ، في الوقت نفسه، على حرية التعبير، وعدم تحويل مكافحة خطاب الكراهية إلى ذريعة لإسكات الرأي المختلف.
والأهم من ذلك كله تقديم خطاب بديل؛ فالدولة ومؤسساتها الدينية والتربوية والإعلامية مطالبة بأن تجعل المواطنة حاضرة كل يوم، لا أن تظهر فقط عندما تشتعل أزمة.
إن أفضل رد على الطائفية ليس البيانات، وإنما الإنجاز، والعدالة، والخدمات، وكشف الفساد، وتعزيز ثقة المواطن بدولته.
الماء العكر لا يصنعه العراقيون وحدهم، لكنه لا يستمر من دون من يستفيد منه
لقد دفع العراق ثمن الانقسام دمًا ودموعًا وتهجيرًا؛ ولذلك فإن إعادة إنتاج خطاب الكراهية ليست مجرد لعبة إعلامية، وإنما محاولة لإعادة فتح جراح لم تندمل تمامًا.
المعركة اليوم ليست بين مكوّن عراقي وآخر، بل بين مشروع دولة يريد أن يستعيد عافيته، ومشروع فوضى يجد في الانقسام وسيلة للبقاء؛ بين وطن يريد أن ينهض، ومن لا يزال يربح من كبوته.
ولن يصفو الماء ما دام هناك من يلقي فيه الحجارة، لكن الصياد لن يجد صيدًا إذا أدرك الناس الطُّعم قبل أن يبتلعوه.
✦ كتابات في الميزان ✦
يكشف المقال كيف يُستدعى الخطاب الطائفي عند تعثر الإنجاز واقتراب الاستحقاقات السياسية، ليصبح الخوف وسيلة للهروب من المساءلة وإبعاد الناس عن مطالبهم الحقيقية. وتبرز قوة الطرح في ربطه بين تجار الهوية والفاسدين وأدوات الخارج، بوصفهم أطرافًا تتقاطع مصالحها عند تعكير المشهد العراقي. فمواجهة الطائفية لا تتحقق بالبيانات وحدها، بل بدولة عادلة تنجز الخدمات، وتكشف الفساد، وتستعيد ثقة مواطنيها.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!