في الشأن السياسي، هناك فرق كبير بين من يمتلك قراراً ومن ينتظر قراراً من غيره، وبين سياسي اكتسب خبرته عبر سنوات طويلة، وآخر دخل المجال السياسي حديثاً، ويعتقد أن المنصب وحده يمنحه وزناً وتأثيراً، إذ إن السياسة ليست كثرة تصريحات، ولا ارتفاعاً في نبرة الخطاب، ولا الدخول في سجالات متواصلة مع الآخرين، لأن السياسي المتمرس يعرف متى يتحدث، وماذا يقول، والأهم من ذلك يعرف متى يصمت، لأنه يدرك أن قيمة الموقف لا تقاس بعدد مرات تكراره، وإنما بقدرته على إحداث أثر حقيقي.
أما السياسي الطارئ، فقد يعتقد أن إثبات حضوره يمر عبر مهاجمة الآخرين أو استفزازهم أو السعي المستمر إلى استدراجهم للرد، ومع الوقت يتحول الخطاب السياسي لديه من وسيلة للتعبير عن موقف إلى وسيلة لإثبات الوجود، فيصبح رد فعل الآخرين هدفا بحد ذاته، وكأن قيمة الموقف تقاس بمدى نجاحه في دفع الآخرين إلى الرد عليه، وهنا يظهر فارق جوهري في العمل السياسي، فصاحب القرار لا يحتاج دائماً إلى رد فعل، بينما من يبحث عن إثبات حضوره قد يجعل رد فعل الآخرين دليلاً على نجاحه.
السياسي الذي يمتلك مشروعاً وأدواتٍ وقراراً يعرف أن تجاهل بعض المواقف قد يكون أكثر تأثيراً من الدخول في سجالٍ معها، لأن ليس كل تصريح يستحق جواباً، ولا كل استفزاز يستحق معركة، ولا كل من يرفع صوته يفرض نفسه طرفاً في المعادلة. وفي المقابل، فإن من يريد أن يثبت حضوره سياسياً عليه أن يدرك أن الوزن السياسي لا يصنعه المنصب وحده، ولا تمنحه كثرة التصريحات، ولا يبنيه الاشتباك الدائم مع الآخرين، وإنما تصنعه الرؤية، وفهم الملفات، وبناء المواقف، والاستقلالية في القرار، والقدرة على تحويل الموقع السياسي من مجرد عنوان إلى موقع تأثير حقيقي.
وليس عيباً أن يكون السياسي جديداً في موقعه، فكل سياسي متمرس كان يوماً ما جديداً، لكن المشكلة تبدأ عندما يختصر صاحب الموقع الجديد الطريق، ليتعامل مع المنصب باعتباره بديلاً عن الخبرة، ومع الظهور باعتباره دليلاً على التأثير، ومع كثرة الكلام باعتبارها دليلاً على امتلاك القرار، فالخبرة لا تُختصر في المنصب، وصناعة القرار تختلف كثيراً عن التعليق عليه، وقد يملك شخص منبراً واسعاً يتحدث منه، بينما يملك آخر القدرة على صناعة الحدث، وبين الاثنين مسافة لا تصنعها الألقاب، وإنما تصنعها التجربة، والاستقلالية، والقدرة على قراءة المشهد، ومعرفة موازين القوة، واتخاذ القرار في الوقت المناسب.
وفي السياسة، ليست المشكلة في أن تختلف مع الآخرين، ولا في أن تعارضهم، وإنما في أن تتحول المعارضة إلى غاية، والخلاف إلى وسيلة للظهور، والتصريح إلى محاولة مستمرة لاستدراج الآخرين إلى معركة ليسوا بحاجة إلى خوضها، فالمعارضة الحقيقية لا تقاس بارتفاع الصوت، وإنما بقدرتها على تقديم بديل، والنقد المؤثر لا يقاس بعدد التصريحات، وإنما بقدرته على تغيير موقف أو تصحيح مسار أو دفع قضية إلى الأمام.
وأخطر ما يمكن أن يفعله السياسي الجديد هو أن يخلط بين الظهور والتأثير، وبين المعارضة والاستعراض، وبين رفع الصوت وامتلاك القرار، لأن السياسة ليست سباقاً في عدد التصريحات، ولا مسابقة في إثارة ردود الأفعال، وإنما هي القدرة على صناعة موقف، وتحقيق أثر، وترك نتيجة تتجاوز حدود الكلام، وقد يكون أقوى موقف سياسي هو ذلك الذي لا يحتاج إلى ضجيج، وأقوى رد هو الذي لا يقال، وأوضح دليل على امتلاك القرار هو ألا تجعل الآخرين يحددون لك متى تتحدث، ومتى ترد، ومتى تدخل معركة لا تخدم مشروعك.
فالسياسة في جوهرها ليست أن تجعل الآخرين يردون عليك، وإنما أن تكون قادراً على أن تجعل لموقفك أثراً، حتى عندما لا يرد عليك أحد، وهنا تحديداً يظهر الفرق بين من يسعى إلى أن يكون حاضراً في المشهد، ومن يمتلك القدرة على التأثير فيه، وبين من ينتظر أن يصنع الآخرون له قيمة، ومن يصنع قيمته بقراره، وهذا هو الفرق بين التابع والمتبوع.
✦ كتابات في الميزان ✦
يضع المقال يده على فارقٍ دقيق في العمل السياسي بين مَن يصنع الموقف ومَن يكتفي بالتعليق عليه، محذّرًا من الخلط بين كثافة الظهور وحقيقة التأثير. فالمنصب قد يمنح صاحبه منبرًا، لكنه لا يمنحه تلقائيًا خبرةً أو استقلالًا في القرار. وتبقى قيمة السياسي مرهونة بما يقدّمه من رؤية وبدائل ونتائج، لا بما يثيره من ضجيج وردود أفعال.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!