
بعثَ إليَ صديقٍ عزيز، يعيشُ في المهجر، مقولة نسبتْ إلى الثائرِ الكوبيِ تشي جيفارا، تقول: (إذا استطعت أنْ تقنعَ الذبابة بأنَ الزهورَ أفضلُ منْ القمامة، حينها تستطيعُ أنْ تقنعَ الخونة بأنَ الوطنَ أغلى منْ المالِ) ، لا أعرف، مدى صحةِ نسبةِ هذهِ العبارةِ إلى جيفارا، ولا أريدُ أنْ أتوقفَ طويلاً عندَ قائلها، بقدرِ ما أريدُ أنْ أتأملَ معناها؛ فقدْ استوقفتني بما تحملهُ منْ مفارقةٍ قاسية، تضعُ أمامنا سؤالاً أكبرَ منْ العبارةِ نفسها: متى يصبحُ المالُ أغلى منْ الوطن؟ متى تصبحُ المظاهرُ أقوى منْ العقل، والعادةِ أقوى منْ الحقيقة، والمألوف أقوى منْ الصواب؟
- منْ هنا تبدأُ الحكاية: إنَ المشكلةَ لا تكمنُ دائما في أنَ الإنسانَ يجهلُ الحقيقة، وإنما في أنهُ، قدْ يعرفها، ثمَ يرفضها؛ لأنَ ما اعتادهُ أصبحَ جزءا منْ تفكيره، وما ورثهُ عنْ السابقينَ تحول في وجدانهِ إلى أمرٍ لا يجوزُ الاقترابُ منهُ أوْ نقده. وهنا يتحولُ العرفُ منْ وسيلةٍ لتنظيمِ الحياةِ إلى سلطةٍ على العقل، ومنْ تقليدٍ اجتماعيٍ إلى قيدٍ يمنعُ التغيير.
ليسَ كلّ عرفٍ أو تقليد سيئ، فكل دول العام تحتفل بتراثها وموروثها، كما أنَ كلَ جديدٍ ليسَ بالضرورةِ صحيح، فلكلِ مجتمعِ عاداتهِ وتقاليدهِ وقيمهِ التي تمنحهُ خصوصيته، وتحفظُ تماسكه، لكنَ الخطرَ يبدأُ عندما تتحولُ العادة إلى مقدسٍ اجتماعي، فلا يعودُ الإنسانُ يسأل: هلْ ما نفعلهُ صحيحا؟ بلْ يكتفي بالسؤال: هلْ فعلهُ آباؤنا وأجدادنا؟ حينها يصبحُ الموروثُ أقوى منْ العقل، ويصبحُ الخروج عنْ المألوفِ تهمة، حتى لوْ كانَ المألوف نفسه سببا في تعطيلِ التقدم. منْ أكثرِ الصورِ وضوحا في حياتنا المعاصرة، تلكَ المنافسة المحمومة في المظاهرِ الاجتماعية؛ فوليمةٌ ضخمةٌ تنفقُ عليها أموالاً طائلة، وترصُ فيها الموائد، وتلتقطُ الصور، وتعرض المشاهد أمامَ الناس، ثمَ ما إنْ تنتهِ المناسبةُ حتى يذهبَ جزء كبير مما أعدُ إلى حاوياتِ النفايات.
هنا يحقُ لنا أنْ نسأل: أينَ يكمنُ الكرم؟ في كثرةِ الطعامِ الذي لا يأكلهُ الناس؟ أمٌ في أنْ يصلَ الطعامُ إلى جائع؟ أفي عدد الموائدِ أمامَ الكاميرات؟ أمٌ في عددِ المرضى الذينَ يمكنُ أنْ تسهمَ هذهِ الأموالُ في علاجهم؟ أفي مظاهر الجاهِ التي تنتهي بانتهاءِ المناسبة؟ أمٌ في أثرٍ يبقى بعدَ رحيلِ صاحبها؟
- الإسراف وديننا الكريم: لقدْ وضعَ القرآن الكريم ميزانا واضحا للإنفاق، فقالَ سبحانهُ وتعالى: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنهُ لا يحبُ المسرفينَ الأعراف: 31. وكذلكَ قولهِ تعالى: (إنَ المبذرينَ كانوا إخوانَ الشياطينِ وكانَ الشيطانُ لربهِ كفورا) الإسراء: 27، فالمشكلةُ ليستْ في المال، وإنما في طريقةِ استخدامه، وليستْ في الولائمِ والمناسبات، وإنما في أنْ تتحولَ إلى ميدانٍ للتفاخرِ والمنافسة، وأنْ يصبحَ الإسرافُ معيارا للجاه، وكثرةْ الإنفاقِ دليلاً على المكانة. إنَ المالَ الذي ينفقُ منْ أجلِ صورةٍ عابرة، ينتهي أثرهُ بانتهاءِ التصفيق، أما المالُ الذي يتحولُ إلى مدرسةٍ أوْ مستشفى أوْ طريقٍ أوْ دواءٍ أوْ منحةٍ لطالبٍ أوْ مشروعٍ يوفرُ فرصةَ عمل، فإنهُ يتحولُ إلى حياةٍ تستمرُ سنوات، وربما تمتدُ آثارها إلى أجيال، فأيّ المالينِ أبقى؟ مالَ يملأُ الموائدَ لساعات؟ أمَ مال يملأُ عقلَ طفلٍ بالعلم، أوْ يعيدُ الصحة إلى مريض، أوْ يفتحُ باب رزقٍ لإنسان؟ هنا أتذكرُ قولاً منسوبا إلى الأمامِ عليّ بن أبي طالبٍ (ع ) :
(قيمةْ كلِ امرئ ما يحسنهُ ) ، وهيَ عبارةٌ تختصرُ كثيرا منْ الكلام؛ فالإنسانُ لا تقاسُ قيمتهُ بما يملك، ولا بما يلبس، ولا بعددِ الذينَ يحيطونَ به، وإنما بما يحسنه، وما يقدمه، وما يتركهُ منْ أثرٍ نافع، المؤلم أنَ المفارقةَ لا تتوقفُ عندَ الولائمِ والمناسبات، بلْ تمتدُ أحيانا إلى اختيارِ منْ يمثلُ الناس، ويتولى شؤونهم. إنَ الأمم، لا تنهضُ بكثرةِ الألقاب، وبعددِ الولائم، وبحجمِ الصورِ المنشورة، وبعددِ الذينَ يقفونَ خلفَ المسؤولِ أوْ صاحب الجاه، فالأممُ تنهضُ حينَ يصبحُ العلمُ قيمة، والكفاءة معيار، والنزاهة شرفا، والعمل مقياسا للإنسان.
- العالمُ منْ حولنا لا ينتظر: هناكَ منْ يبني المختبرات، يطورُ الأدوية، يبحثُ عنْ علاجاتٍ للأمراض المستعصية، يبتكرُ تقنياتٍ تعيدُ الأملَ إلى منْ فقدوا البصرَ أوْ الحركة، يستثمرُ ملياراتِ الدولاراتِ في البحثِ العلميِ والتكنولوجيا، لأنهمْ أدركوا أنَ مستقبلَ الأممِ لا يبنى بالمظاهر، وإنما بالعقول. بينما نحن، في بعضِ مجتمعاتنا، ما زلنا نستهلكُ جزءا كبيرا منْ طاقتنا في معاركَ اجتماعيةٍ حولَ المظهرِ والوجاهةِ واللقبِ وحجمِ الوليمة، ومنْ حضر، ومنْ لمْ يحضر، وكأنَ مستقبلَ الأمةِ يتوقفْ على صورةٍ تلتقطُ أمامَ مأدبة!
آنَ لنا أنْ نعيدَ تعريفَ مفاهيمَ كثيرة: فالكرمُ ليسَ أنْ تطعمَ ألفَ إنسانِ ما لا يستطيعونَ أكله، ثمَ يرمى الفائضُ في القمامة؛ الكرم أنْ تطعمَ جائعا، والجاهُ ليسَ في عددِ منْ يقفونَ خلفك؛ الجاه الحقيقيّ في عددِ منْ ينتفعونَ بما قدمت. والغنى ليسَ في كثرةِ ما تملك؛ وإنما في مقدارِ ما تستطيعُ أنْ تصنعَ بهِ منْ خير، والوطنية ليستْ كلمات تقالُ أمامَ الكاميرات؛ وإنما عمل ينجزُ منْ أجلِ الوطن، وما قيمةْ البدلةِ الفاخرةِ إذا كانَ منْ يرتديها عاجزا عنْ خدمةِ الناس؟ وما قيمةُ المكتبِ الكبيرِ إذا لمْ ينتجْ قرارٌ نافع؟ وما قيمةُ اللقبِ إذا لمْ يصاحبهُ علم؟ وما قيمةُ المالِ إذا لمْ يتحولْ إلى أثر؟
- العادات والتقاليد: إنَ المشكلةَ ليستْ في أنْ يكونَ الإنسانُ غنيا، ولا في أنْ يحتفلَ الناسُ بمناسباتهم، ولا في أنْ يحافظَ المجتمعُ على عاداتهِ الجميلة؛ فذلكَ كلهُ جزءٍ منْ الحياة، وإنما المشكلة أنْ يتحولَ المظهرُ إلى بديلٍ عنْ الجوهر، والإنفاقِ إلى وسيلةٍ لإثباتِ المكانة، والعرفِ إلى عائقٍ أمامَ العقل، والمالِ إلى معيارٍ لتقييمِ الإنسان. تراثنا وعاداتنا العريقة: نحنُ لا نحتاجُ إلى محاربةِ تراثنا العريق، بلْ إلى قراءتهِ بعينٍ واعية؛ فنحتفظُ بما يصونُ الكرامة، ويقوي الروابطَ الاجتماعية، ونتركُ ما يستنزفُ المال والجهد، ويحولُ الحياةَ إلى سباقٍ في المظاهر.
فليسَ كلّ ما ورثناهُ مقدسا، وليسَ كلّ ما اعتادهُ الناسُ صحيحا. العاداتُ والتقاليدُ تحترمُ حينَ تخدمُ الإنسان، لكنها تصبحُ عبئا حينَ يصبحُ الإنسانُ خادما لها؛ حينَ يستدينُ الفقير؛ ليقلدَ الغني، وتنفقُ الأسرةُ ما لا تملكُ خوفا منْ كلامِ الناس.
- المظاهر البراقة: هنا يبرزُ السؤال: لماذا نخافُ منْ كلامِ الناسِ أكثر مما نخافُ على مستقبلِ أبنائنا؟ لماذا نتنافسُ في فخامةِ المناسباتِ وعدد الذبائح، ولا نتنافسُ في التعليمِ والكتبِ والمشاريعِ التي تبني المستقبل؟ إنَ الأممَ التي تكرمُ العقلَ تبني المستقبل، أما التي، فتكرمُ المظاهر، فقدْ تصنعُ صورة جميلة للحاضر، لكنها قدْ تكتشفُ متأخرةً أنَ المستقبلَ مضى منْ دونها.
فالسؤالُ ليس: كمْ أنفقنا؟ بل: ماذا صنعنا بما أنفقنا؟ وما الذي سيبقى بعدَ أنْ تنتهيَ الولائم، وتغيبَ الصور، وتنطفئُ الكاميرات؟ فالإنسانُ لا يخلدُ بما جمعا، وإنما بما ترك. ولا تكونُ عظمتهُ في كثرةِ إنفاقه، بلْ في حسنٍ إنفاقه. وربما آنَ الأوانُ أنْ نغيرَ ميزاننا في اختيارِ منْ يمثلنا؛ فلا نختارُ صاحبَ المالِ الأكثرِ أوْ الوليمةَ الأكبر، بلْ صاحب العقلِ والعلمِ والنزاهةِ والرؤية والقدرة على العمل.
-الخاتمة: من كل ما تقدم، نرى بأن الأممُ لا تتقدمُ بكثرةِ أصحابِ الجاه، وإنما بارتفاعِ قيمةِ العلمِ والكفاءة، ولا تنهضُ بالمظاهر، بلْ بالإنجازِ والعمل. وحينَ تمنحُ الأموال والمظاهر مكانةْ أعلى منْ العلم، ثمَ نتساءلُ لماذا يتقدمُ الآخرون، ونحنُ نتراجع، فإنَ الجوابَ قدْ يكونُ في طريقةِ استخدامنا لما نملك. فالوطنُ لا يحتاجُ إلى منْ يتغنى بهِ في المناسباتِ بقدرِ حاجتهِ إلى منْ يبني مدرسة، ويؤسسُ جامعة، ويعالجُ مريضا، ويوفرُ فرصةَ عمل، ويحمي المال العام، ويحترمُ القانون، ويضعُ مصلحةَ الوطنِ فوقَ مصلحته. فالمالُ وسيلة، والعادات قابلة للمراجعة، والوطنِ أمانة.
هنا يتطلب؛ أنْ نجعلَ العلم أرفع منْ الجاه، والعملِ أغلى منْ المظهر، والإنجازِ أصدق منْ الكلام، والوطنِ أغلى منْ المال، عندها سنكتشفُ أنَ ما يبقى في حياةِ الأممِ ليسَ ما يلمعُ أمامَ العيون، بلْ ما ينفعُ الإنسان.
✦ كتابات في الميزان ✦
يناقش المقال بجرأة اختلال ميزان القيم حين تتحول الولائم والألقاب والمظاهر إلى مقاييس للمكانة، بينما يتراجع العلم والعمل والنزاهة إلى الخلف. ولا يدعو إلى إلغاء التراث أو المناسبات الاجتماعية، بل إلى مراجعة ما يتحول منها إلى عبء يستنزف الأسر ويغذي التفاخر والإسراف. وتكمن قوة النص في أسئلته المباشرة: أيهما أبقى، مالٌ ينتهي أثره بانطفاء الكاميرات أم مالٌ يبني مدرسة ويعالج مريضًا ويوفر فرصة عمل؟ إنها دعوة لإعادة الاعتبار للإنسان بما يحسنه ويقدمه، وللوطن بما نبنيه فيه لا بما نقوله عنه.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!