
قرأتُ عن المفكر والطبيب والمحامي الإكوادوري Eugenio Espejo، المتوفى سنة 1795، فاستوقفني حديثه عن العلاقة بين الثقافة والطبيعة، وكيف يمكن للإنسان أن يبني جزءًا من منظومته الفكرية واللغوية من خلال علاقته بالبيئة التي يعيش فيها.
ومن هنا جاءني سؤال بسيط، لكنه قادني إلى سؤال أكبر: لماذا جعل العرب الشمس مؤنثة والقمر مذكرًا؟
قد يبدو السؤال في البداية سؤالًا نحويًا بسيطًا، لكنني وجدته يفتح نافذة على علاقة الإنسان بالطبيعة والثقافة واللغة. وأنا لست متخصصًا في علم اللغة، لكنني أعتقد أن الباحث لا ينبغي أن يحبس نفسه داخل حدود اختصاص واحد؛ فالسؤال الواحد قد يحتاج إلى أكثر من علم لكي نقترب من جوابه.
في البداية فكرت في البيئة. الشمس في البيئة العربية شديدة الحضور؛ تمنح الضوء والحياة، لكنها أيضًا تحرق وتفرض على الإنسان أن ينظم حركته وفق حضورها. أما القمر، فكان رفيق الليل والسفر والهدوء، وكان ضوؤه يساعد الإنسان على الحركة في بيئة قاسية الحرارة.
لكن عندما وسعتُ دائرة البحث، اكتشفت أن البيئة وحدها لا تكفي لتفسير المسألة.
ففي الفرنسية نقول:
le soleil ـ الشمس مذكر
la lune ـ القمر مؤنث.
وفي الإسبانية:
el sol ـ الشمس مذكر
la luna ـ القمر مؤنث.
وفي الإيطالية الصورة نفسها تقريبًا.
لكن الألمانية تقلب الصورة تمامًا:
die Sonne ـ الشمس مؤنث
der Mond ـ القمر مذكر.
فهل تعيش الشمس الألمانية والقمر الألماني في طبيعة مختلفة عن الشمس والقمر الفرنسيين؟
بالتأكيد لا. إذن نحن أمام شيء أكثر تعقيدًا من البيئة. اللغات الرومانسية ورثت كثيرًا من هذا التوزيع من اللاتينية؛ فكلمة الشمس في اللاتينية sol كانت مذكرة، وكلمة القمر luna كانت مؤنثة، وانتقل هذا التصنيف إلى لغات مثل الفرنسية والإسبانية والإيطالية.
أما الألمانية، ومعها تقاليد جرمانية أقدم، فاحتفظت بصورة معاكسة: الشمس مؤنثة والقمر مذكر. وتظهر هذه الثنائية أيضًا في بعض التصورات والأساطير الجرمانية القديمة.
وهنا بدأت أرى المسألة من زاوية مختلفة:
البيئة لا تدخل اللغة مباشرة؛ وإنما تمر أولًا عبر الثقافة والخيال والأسطورة. فالإنسان لا يرى الطبيعة كما هي فقط، وإنما يفسرها ويمنحها صفات ومعاني، ثم تتحول هذه المعاني عبر الزمن إلى رموز، وقد تستقر بعض هذه الرموز في اللغة.
وهذا يقودنا إلى العربية لماذا كانت الشمس عند العرب مؤنثة والقمر مذكرًا؟
يمكن أن يكون للتصنيف النحوي تاريخه الخاص وأسبابه اللغوية، ولذلك لا يصح أن نزعم أن البيئة وحدها هي التي صنعت هذا التذكير والتأنيث. لكن يمكننا، من زاوية ثقافية وتأملية، أن نسأل:
هل ساهمت علاقة الإنسان العربي بالشمس والقمر في الطريقة التي تخيلهما بها؟
الشمس قوة حاضرة، شديدة، مانحة للحياة ومصدرة للحرارة في الوقت نفسه. والقمر رفيق الليل، والسفر، والهدوء، والهداية.
ثم إن صورة المرأة كانت حاضرة بقوة في الخيال العربي، حتى أصبحت المرأة والمكان والذاكرة مدخلًا أساسيًا في القصيدة العربية.
يقول طرفة بن العبد:
لخولةَ أطلالٌ ببرقةِ ثهمدِ
تلوحُ كباقي الوشمِ في ظاهرِ اليدِ
ويقول النابغة الذبياني:
يا دارَ مَيّةَ بالعلياءِ فالسندِ
أقوتْ وطالَ عليها سالفُ الأبدِ
وكأن الشاعر العربي كثيرًا ما كان يدخل إلى العالم من بوابة المرأة والمكان والذاكرة.
لكنني لا أريد أن أحول هذا التأمل إلى حقيقة لغوية قاطعة.
فالأكثر إثارة بالنسبة لي هو السؤال نفسه:
هل اللغة تصف الطبيعة، أم أنها تصف الإنسان وهو ينظر إلى الطبيعة؟
ربما تكون الإجابة هي الثانية.
فاللغة لا تخبرنا فقط عن الأشياء، وإنما تخبرنا أيضًا عن الطريقة التي رأى بها الإنسان الأشياء.
ولهذا فإن اختلاف الشمس والقمر بين اللغات ليس مجرد اختلاف في قواعد النحو.
إنه يذكرنا بأن الإنسان نفسه شريك في صناعة المعنى.
فالشمس واحدة، والقمر واحد، والطبيعة واحدة؛ لكن صورتهما في مخيلة الشعوب ليست واحدة.
وهنا أعود إلى الفكرة التي أثارتها في البداية:
البيئة تؤثر في الإنسان، لكن الإنسان لا يستقبل البيئة استقبالًا سلبيًا؛ بل يعيد تفسيرها من خلال ثقافته وأساطيره وتجربته التاريخية، ثم يحول هذا التفسير إلى لغة ورموز وقيم.
ومن هنا ربما يمكن أن نفهم اللغة باعتبارها ذاكرة ثقافية للطريقة التي عاش بها الإنسان مع الطبيعة.
ولعل أجمل ما في البحث ليس أن نصل سريعًا إلى جواب نهائي، وإنما أن نكتشف أن وراء كلمة صغيرة مثل «الشمس» أو «القمر» تاريخًا طويلًا من علاقة الإنسان بالسماء والأرض والمرأة والرجل والليل والنهار.
فاللغة لا تقول لنا فقط: ماذا نرى؟
بل قد تقول لنا أيضًا : كيف تعلمنا أن نرى.
✦ كتابات في الميزان ✦
ينطلق المقال من سؤال نحوي صغير ليقود القارئ إلى مساحة واسعة تتداخل فيها اللغة بالبيئة والثقافة والأسطورة والخيال الجمعي. وتمنحه المقارنة بين العربية واللغات الرومانسية والألمانية عمقًا مهمًا، إذ تُبعده عن التفسير البيئي المباشر والحتمي. كما يحسب له أنه يقدّم تأملاته بوصفها احتمالات ثقافية لا حقائق لغوية قاطعة. وتبقى خلاصته الأجمل أن اللغة لا تصف الطبيعة وحدها، بل تحفظ في كلماتها ذاكرة الإنسان والطريقة التي تعلّم بها رؤية العالم.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!