عندما يخوض المرء في غير كاره فعليه ان يتقبل عاره ، وستبقى في صفحات التاريخ اثاره ، قالوا عن ابن خلدون المتوفى سنة (808 هـ) انه فقيه علم الاجتماع ، ولربما يحصل ذلك بالاجماع ، لكن كلامه في التاريخ خال من الانتفاع ، لا اقول هذا عن جهل، بل اطلاع وعلى مهل ، تمعنت مقدمته فوجدتها نقد وحثالة لمن كتب التاريخ قبله بجهالة ، بل لم يحسن اختيار الفاظه في نقد غيره ، ولكن لو جعلنا رايه هو الدليل على قلمه ، سنجد التباين بكثرة والاغلاط بوفرة والباطل يدحض الحق وذكر ما لا يصدق .
كتب في مقدمته عن غيره " وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهموا فيه أو ابتدعوها، وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها، واقتفى تلك الآثار الكثير ممن بعدهم واتبعوها. وأدوها إلينا كما سمعوها" ، ثم عرج على نقد المسعودي في مروجه والطبري في تاريخه والواقدي في مغازيه ، ليكون هو القلم الساطع وكاتب الخبر اللامع .
وقد طالعت صفحة من جزء لا على التعيين وجاءت عن الوليد بن عقبة شقيق الخليفة الثالث من الام وقد حاول جاهدا ان يعبث بتلك الحادثة التي سطرتها كل كتب التاريخ الا وهي شربه للخمر وصلاته اربع ركعات للفجر وتقيؤه في المحراب بوضع قذر .
يقول ابن خلدون " وكان أبو زبيد الشاعر نصرانيا فأسلم على يده وكان يغشاه بالمدينة والكوفة، وكان أبو زبيد يشرب الخمر" اسلم ويشرب الخمر حسب ما ذكر ابن خلدون ، لنكمل تقوله " عدا الشباب من الأزد بالكوفة على رجل من خزاعة فقتلوه ليلا في بيته وشهد عليهم أبو شريح الخزاعي فقتلهم الوليد فيه بالقسامة" ، وأقام آباؤهم للوليد على حقه فلم يستمع لهم الوليد ، " فغضبوا وخرجوا إلى عثمان شاكين من الوليد وانه يشرب الخمر. فاستقدمه عثمان وأحضره وقال: رأيتموه يشرب؟ قالوا لا وإنما رأيناه يقيء الخمر" ـ مداخلة بسيطة تذكرت الخليفة الثاني وهو يسال الشهود عن المغيرة هل رايتموه يدخل الميل في المكحلة ؟ وهم راوه بلا ملابس وهي الاخرى عارية وهو فوقها ، فرفض شهادتهم وجلدهم ، طيب لنسال التعري والاختلاء بامراة ليست زوجته ولوحدهم وبدون حجاب هل يجوز في الاسلام ؟ ..
هذه الواقعة ـ أي واقعة الوليد ـ التي ذكرتها كل كتب التاريخ حاول ابن خلدون تشويهها ، وهنا لابد لنا من التاكيد على عدم مهنية ابن خلدون في هذا الفن ، فانه لم يذكر من اين استقى اخباره وهو المتوفى في القرن التاسع من الهجرة ، فالتاريخ علم رجال وحديث وحدث ، فمن اين له ذكر التاريخ بثمان مجلدات وهو الذي يتحدث عن فن التاريخ وما له من تاثير في سلوك الامم ، بل وحتى قراءته الاجتماعية للعرب فيها الكثير من المغالطات وان كان هنالك من تصدى للدفاع عنه مدعيا ان مخطوطة ابن خلدون ذكرت الاعراب ولم تذكر العرب لكن هنالك يد خبيثة حرفت في المخطوطة لتظهر تهجمه وانتقاصه للعرب ، قد يكون كلامه صحيح لانه اصلا ليس لنا اطلاع على مقدمته .
لكن عندما ارى تدوينه للتاريخ بهذه الصورة فمن اين لنا ان نثق بما دونه ، قد يكون تدوينه للفترة الزمنية التي عايشها في القرن الثامن للهجري فيها بعض الصحة على ان يتم التحقق منها مع من كتب عن تلك الفترة .
اسوء ما يقترفه المؤرخ من جريمة عندما يكون التعصب لقبيلته او لدينه او لمذهبه حاضرا عند كتابة التاريخ فالحقيقة تكون مشوهة رغما عن انفه


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!