كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

لو كنتُ صاحبَ مجلسٍ حسيني

في كلِّ عام، ومع إطلالة شهر محرَّم الحرام، تتجه الأنظار إلى المجالس الحسينية التي شكّلت على مدى القرون مدرسةً للتربية والإصلاح والوعي. ولطالما راودني سؤالٌ بسيط في ظاهره، عميقٌ في مضمونه: لو كنتُ صاحبَ مجلسٍ حسيني، فكيف أختار الخطيب؟ وكيف أهيّئ المجلس ليكون جديراً بذكرى الحسين (عليه السلام)؟

إنَّ المجلس الحسيني ليس مكاناً يجتمع فيه الناس فحسب، بل هو فضاءٌ تتلاقى فيه العاطفة مع المعرفة، والدمعة مع البصيرة، والحزن مع الرسالة. ومن هنا فإن اختيار الخطيب لا ينبغي أن يكون أمراً عفوياً أو خاضعاً للمجاملات، بل مسؤولية ثقيلة ترتبط بمدى قدرة المجلس على أداء رسالته.

لو كنتُ صاحب مجلس، لحرصتُ أولاً على أن يكون الخطيب شجيَّ الصوت، لأنَّ محرَّم شهر الحزن، وأيام عاشوراء ليست مناسبةً للاحتفال أو الترفيه، وإنما هي موسمٌ تستعاد فيه المأساة الكبرى التي هزَّت ضمير الإنسانية. والصوت الشجي ليس غايةً بحدِّ ذاته، بل وسيلةٌ لتحريك المشاعر وربط القلوب بمصاب أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، فالكلمة إذا خرجت من قلبٍ مفعمٍ بالحزن والإخلاص دخلت إلى القلوب بلا استئذان.

ولم أكتفِ بحسن الصوت وحده، بل أبحث عن الخطيب الذي يمتلك ذوقاً أدبياً راقياً، يعرف كيف ينتقي الشعر الذي يعبّر عن المأساة دون مبالغة، ويصوّر البطولة دون تكلّف، ويجعل القصيدة نافذةً على كربلاء لا مجرد ألفاظٍ تُتلى. فالمنبر الحسيني ارتبط عبر تاريخه بالشعر والأدب والخطابة، وكان دائماً حاضنةً للجمال اللغوي والذوق الرفيع.

غير أن العاطفة وحدها لا تكفي. لذلك أرى أن الخطيب الناجح هو الذي يجمع بين حرارة المصيبة وعمق المعرفة، فيكون فقيهاً بما يحتاجه الناس من مسائلهم الابتلائية، مطلعاً على الشبهات الفكرية والعقدية التي تواجه الأجيال الجديدة، عارفاً بتاريخ عاشوراء وأحداثها ومصادرها. فالناس حين تجلس تحت المنبر لا تبحث عن التأثر فحسب، بل تريد أن تخرج بفهمٍ أعمق للدين والحياة والقيم التي استشهد من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام).

أما المجلس نفسه، فإنني أراه شريكاً في صناعة الأثر. فالمكان له لغةٌ صامتة لا تقل تأثيراً عن لغة الخطيب. لذلك أحب أن يكون المجلس مكسوّاً بالسواد، نظيفاً مرتباً، تنعكس في تفاصيله هيبة المناسبة وقداستها. إنَّ السواد في هذه الأيام ليس لوناً فحسب، بل رمزٌ للحزن والوفاء والارتباط الوجداني بمصاب أهل البيت (عليهم السلام).

كما أنني أحرص على أن تكون الإضاءة هادئة، وأن تحمل أركان المجلس ما يذكّر بصاحب الذكرى، سواء من خلال الرايات أو العبارات أو اللوحات التي تستحضر قيم عاشوراء ورسالتها الخالدة. فالمجلس الحسيني ليس مجرد قاعة اجتماع، بل بيئة تربوية متكاملة تتحدث جدرانها قبل أن يتحدث الخطيب على منبره.

وفي عصرنا الحاضر، أصبحت الوسائل التقنية جزءاً من نجاح أي فعالية ثقافية أو دينية. لذلك، لو كنتُ قادراً مادياً، لوفرت شاشةً كبيرة أو وسائل عرض مناسبة تتيح للحاضرين متابعة الخطيب بوضوح، ولا سيما في المجالس الواسعة أو المكتظة، لأن حسن إيصال الرسالة جزءٌ من حسن أداء الرسالة نفسها.

إنَّ نجاح المجلس الحسيني لا يُقاس بعدد الحاضرين فقط، بل بمقدار الأثر الذي يتركه في نفوسهم. فقد يحضر المئات ويغادرون كما جاؤوا، وقد يجلس عشراتٌ فيخرجون وهم أكثر وعياً وإيماناً وارتباطاً بالحسين (عليه السلام).

ولهذا فإن صاحب المجلس لا ينبغي أن يفكر في المظاهر بقدر ما يفكر في الرسالة. فالمجلس الحسيني الناجح هو الذي يجمع بين صدق العاطفة، وصحة المعرفة، وجمال التنظيم، ليبقى الحسين (عليه السلام) حاضراً في القلوب كما كان حاضراً في ساحات التضحية والفداء.

الفكرة منقولة من صفحة الاخ السيد ابو محمد 

مجلس-حسيني.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!