تثيرُ التصريحاتُ المتباينةُ والمتعددة للرئيسِ الأمريكيِ دونالد ترامب، بينَ الحينِ والآخر، الكثيرَ منْ الجدلِ والتساؤلاتِ على الساحةِ الدولية، ولا سيما في منطقةِ الشرقِ الأوسطِ التي تعاني منذُ عقودٍ منْ أزماتٍ وصراعاتٍ متواصلة.
ففي أحدثِ هذهِ التصريحات، المتضمنة رفعِ القيودِ المفروضةِ على حركةِ السفنِ الداخلةِ إلى مضيقِ هرمز، والخارجة منهُ في الخليجِ العربي، وعودةِ السفنِ الأمريكيةِ إلى المواني الأمريكية، ورسائلَ طمأنةٍ إلى العائلاتِ الأمريكية، داعيا إياها إلى الاستعدادِ لاستقبالِ أبنائها العائدينَ منْ جبهاتِ القتال، عقبَ المواجهةِ التي شهدتها المنطقةُ معَ إيران، مؤكدا ما اعتبرهُ انتصارا تحققُ في تلكَ المواجهة، وهوَ ما دأبَ على التأكيدِ عليهِ في خطاباتهِ المتكررة.
تعد التصريحاتِ المتناقضة، التي تصدر منْ الرئيسِ الأمريكيِ (دونالد ترامب) في اليومِ الواحد، تعكسُ حالةً منْ الارتباكِ السياسيِ الأمريكي، الذي ينعكسُ بشكلٍ مباشرٍ على الاقتصادِ العالمي، وأسواقِ الطاقةِ والاستقرارِ الإقليمي، فحينَ تفرضُ العقوبات، أوْ يعلنُ الحصار على دولة ما، فإنَ الشعوبَ غالبا ما تكونُ أولَ منْ يدفعُ الثمن، إذْ ترتفعُ أسعارُ النفط، وتتأثرُ الأسواقُ العالمية، فتزدادُ تكاليفُ المعيشة، وترتفعُ أسعارُ الموادِ الغذائيةِ والصناعيةِ والزراعية- على حدٍ سواء.
إنَ إصدارَ أيِ قرارٍ سياسيٍ غيرِ مدروس من دولة عظمى مثل أمريكا، لا يبقى تأثيرهُ محصورا في نطاقٍ جغرافيٍ معين، بلْ يمتد؛ ليطالَ حياةْ الملايينِ حولٍ العالمِ دول وشعوب، ولكي يتحققَ السلامُ الحقيقيُ في منطقة الشرق الأوسط، لإيكونْ من خلال إرسالِ الأساطيلِ العسكريةِ أوْ زيادةْ التوتر في المنطقة، بلْ منْ خلالِ احترامِ إرادةِ الشعوبِ وتطبيقِ قراراتِ الشرعيةِ الدولية، وفي مقدمتها ما يتعلقُ بالقضيةِ الفلسطينية، التي ستبقى جوهر الصراعِ في الشرقِ الأوسط، ولنْ يكونَ هناكَ استقرارٌ دائمٌ في المنطقة ما دامَ الاحتلال الصهيونيّ قائماً وجاثماً ومحتلاً لفلسطين العربية، وما دامتْ الحقوقُ المشروعةُ للشعبِ الفلسطينيِ غير معترف بها بصورةٍ عادلة، ومنصفة، فلنْ يتحققَ السلام، ويبقى العالمُ في قلقٍ وإنذارٍ (ج) كما يسميه العسكر.
إنَ الشعوبَ العربيةَ والإسلامية، لا يمكنُ أنْ تتقبلَ استمرارَ الاحتلالِ الصهيونيِ لفلسطين العربية أوْ المساسَ بالمقدساتِ الإسلاميةِ والمسيحيةِ فيها، لأنَ هذهِ القضية، ليستْ سياسيةً فقط، بلْ ترتبطُ بالهويةِ والتاريخِ والكرامةِ الإنسانية، "فأهلُ مكةَ أدرى بشِعابِها" ، منْ هنا، فإنَ أيَ مشروعٍ للسلام، يجبُ أنْ يقومَ على العدالةِ واحترامِ الحقوق، لا على فرضِ الأمرِ الواقعِ بالقوة.
إنَ التاريخَ مليءٌ بالدروسِ والعبر، والقوى الكبرى، مهما بلغتْ قوتها ليستْ بمنأى عنْ التحولاتِ والتغيرات، ولذلكَ ، فلنتذكر، في العصر القريب، الدولة العثمانية، وبريطانيا العظمى، والمانيا النازية، فإنَ الحكمةَ السياسيةَ، تقتضي قراءةَ التاريخِ جيدا، والاستفادة منْ تجاربِ الأممِ السابقة، لأنَ الاستقرارَ الحقيقيَ لا يبنى بالقوةِ وحدها، بلْ بالحوارِ والعدلِ واحترامِ الشعوبِ وحقوقها. أمّا سفنك التي ترابط في منطقتنا، فاسحبها هذه الليلة قبل أن يبزغ الصباح، وارحل غير مأسوفٍ عليك. سنمضي خلفك بألف حجر، لا احتفاءً برحيلك بل ازدراءً لعجزك. فبعد أشهرٍ من الحرب والحصار، لم تحصد سوى الخيبة، وعدتَ خاذلًا مطأطئ الرأس. لم تحقق هدفًا، ولم تكسر إرادة الناس، وكل ما خلّفته وراءك هو نارٌ أحرقت الأرض وأثقلت كاهل المنطقة. أمّا أهلها، فقد بقوا في ديارهم صامدين، لم تقتلعهم آلة حربك، ولم تنل من عزيمتهم.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!