كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

أحقيَّة القرآن ككتابٍ سماويٍّ ثبتت بالإعجاز، وأحقيَّة باقي الكتب ثبتت بالقرآن

قال تعالى في صدر سورة البقرة المباركة: (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
بدأت الآية الكريمة باسم الإشارة (ذلك) وهو للبعيد، وقد تفنَّن القرآن في وصف نفسه، بما يصلح موضوعاً لرسالةٍ علميَّةٍ، وبحثاً لدراسة دكتوراهٍ، فهو تارةً يشير إلى هيمنته وحضوره فيشير لهما بلفظة هذا، كما في قوله تعالى: (لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)، فيتصدَّع الجبل من عظمته، كما اندكَّ جبل موسى من تجلّي عظمة الله تعالى للجبل.
ولكن الفرق بين التجلّيَين: أنَّ تجلّي عظمة الله تعالى للجبل جعله دكَّاً فسوَّاه في الأرض وتلاشى، وتجلّي القرآن للجبل جعله متصدِّعاً، أي جعل في منتصفه شقّاً، وبقي قائماً مكانه.
ذلك أنَّ الله تعالى أعطى لنبيِّه موسى – عليه السلام – من قوَّة القلب ما تحمَّل به ما لا يتحمَّله الجبل، فازداد موسى عليه السلام إيماناً، واندكَّ الجبل في الأرض، فمنه تعرف أنَّ قلب النّبيِّ يتحمَّل ما لا تتحمَّله الصمُّ الصياخيد.
وأنَّ الله أعطى للجبل ما حُرم بعض النَّاس منه، فتصدَّع من خشية الله لما أُنزل عليه القرآن، (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)، وقلب بعضهم لم يَلِنْ ولم يَرِقْ لعظمة هذا الكتاب، ولم تتفجَّر منه ينابيع التدبُّر والخير.
وأخرى يشير القرآن إلى محلِّه الرفيع من المعارف، ومكانه المنيع عن العقول، ومحتواه العصيِّ على الأفكار، بلفظة (ذلك) توكيداً لبعده في سماء الرفعة والعظمة.
فإن قلت معترضاً: فما الفائدة من إنزال الكتاب، والأمر بتدبُّر آياته إذا كان بهذا المحلِّ من الرفعة، والقدر العالي من الجلالة؟! فإنَّه تكليفٌ بغير المقدور، وقبيحٌ بالمولى الحكيم العادل أن يُكلِّف عبده بما لا يقدر عليه، وهذا خلاف حكمته وعدله، وخلاف الأمر بتدبُّر آياته وكلماته.
وجواب سؤالك، أنَّ في القرآن مراتب من المعارف، ودرجاتٍ من العلوم، ومراقيَ من الأسرار، فمنها ما يُنال بالتأمُّل عن طريق العقل، وأخرى ما تُستنبط بالقواعد عن طريق العلم، وثالثةٌ ما تُفاض بالتقوى عن طريق العبادة، وغيرها ما لا يعرفه إلَّا المعصوم – عليه السلام –، وفيه مراتب بين المعصومين، فما يعرفه أهل البيت عليهم السلام غير ما يعرفه جبريل – عليه السلام –، ومنه ما لا يعلمه إلَّا الله تعالى.
ولكلِّ قومٍ سهمهم من المعرفة، ولكلّ فريقٍ حصَّتهم من العلم، فما كان في هذه الدائرة، فهو مساحتهم التي يتدبَّرون فيها آياته، وما خرج عن حريمهم فهو البعيد عليهم ممَّا يصعب مناله، المُشار إليه بـ(ذلك)، ولكلِّ فِئَامٍ مساحةٌ، ولكلِّ جماعةٍ حريمٌ.
وكلُّ وادٍ بقدره، وإناءٍ بوسعه، وأوسع الأواني، وأغنى الأودية ما كان وعاؤهما مملوءاً بماء المعرفة به بسبب التقوى؛ لذلك قال تعالى: (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)، ونيل الأكمل من معارفه لا يكون إلَّا بالأكمل من التقوى، وذلك بعد أن نفى عنه الريب ليكون صالحاً للهداية من جهة الفاعليَّة، ونفي جنس الريب، نفيٌّ لجميع ما يُتخيَّل من أنواعه التي تقع تحت جنسه، فهو في ربوةٍ من الشبهات، ومنتجعٍ من الأباطيل.
وتبقى قابليَّة القابل للاستفادة منه، وكمال الهداية به، والمعرفة بأسراره، والترقّي في علومه، لا يكون إلَّا بكمال التقوى، فإنَّ في القرآن علوماً، وفي آياته معارف، وفي كلماته أسراراً، لا تُنال إلَّا بتلك المرتبة العالية من الإيمان المُعبَّر عنها بالتقوى، وهي في مضمون بعض الروايات غير الإيمان، وأرفع منه درجةً.
وللتقوى جانبان: علميٌّ، وقد قدَّمه القرآن لترتُّب العمل على العلم، وإلَّا فلا يُعصى الله من حيثُ يُطاع: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) لأنَّ الإيمان هو الاعتقاد.
وعمليٌّ: (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ).
والعلميُّ يتمثَّل في الإيمان بالغيب، وليس الغيب ما غاب عن الحواسِّ فحسب، بل ما غاب عن القلب، والعقل، من وجوه الحكمة في بعض العبادات، ومن وجوه تصرُّف المعصوم ممَّا لا نُحيط به علماً فنردُّ علمَه إلى أهله، وترك البحث في عللها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ).
فربَّما تكون المصلحة في جهلنا بها كساعة الموت، وساعة القيامة، أو أنَّ عقولنا لا تسعها كمعرفة الروح التي هي من أمر الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلً)، وحقيقة المعصوم عليه السلام، وفي الزيارة: (ما يحيط المادح وصفك)، وهو إمامٌ معصومٌ لا يحيط بمعصومٍ مثله، فكيف يحيط غير المعصوم بذات المعصوم؟
والعمليُّ منها يتمثَّل في إقامة الصلاة وهي الفرد الأكمل من الأداء، والإنفاق من الرزق وهو الفرد الأكمل من الدفع؛ لأنَّه لا يكون إلَّا عن طيب خاطرٍ، بخلاف غيره من الإنفاق كالخمس والزكاة وبعض الكفَّارات التي قد يدفعها الإنسان مُكرهاً خوفاً من النَّار أو نحوه.
ثمَّ جاء إلى الجانب العلميِّ مرَّةً أخرى: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)، وقدَّم الإيمان بما أُنزل إليه صلى الله عليه وآله، لأشرفيَّة ما نزل عليه من القرآن على ما نزل على غيره من الأنبياء – عليهم السلام – من الكتب والصحف، إذ هو المهيمن على الكتب السماويَّة كلِّها، هيمنة الشمس على الكواكب، والقمر على النُّجوم.
أو لأنَّ الإيمان بما أُنزل عليه – صلى الله عليه وآله – شرطٌ للإيمان بما أُنزل على غيره من الأنبياء – عليهم السلام –، فببركة قرآنه تمَّ التصديق بسائر الكتب السماويَّة، وإلَّا فالمشروط – وهو التصديق بهذه الكتب – عدمٌ عند عدم شرطه وهو التصديق بالقرآن الكريم.
ثمَّ إنَّ في الآية لازماً، وهو الإيمان بنبوَّته – صلى الله عليه وآله – التي يترتَّب عليها الإيمان بنبوَّة باقي الأنبياء – عليهم السلام –، فإنَّه بالدليل نفسه الذي ثبتت به نبوَّة الأنبياء من قبله، وأحقيَّة كتبهم غير المحرَّفة، ثبت من قبل ذلك أحقيَّة القرآن ونبوَّة الرسول – صلى الله عليه وآله.
ولا يلزم من ذلك الدور بأن يُقال إنَّ أحقيَّة القرآن ثبتت بالقرآن.
لأنَّ أحقيَّة القرآن ككتابٍ سماويٍّ ثبتت بالإعجاز، وأحقيَّة باقي الكتب ثبتت بالقرآن

أحقية_القرآن.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!