كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الأدلة التاريخية على سب الإمام علي في العصر الأموي: جمع وتوثيق

مقدمة
احتل الإمام علي بن أبي طالب مكانة رفيعة في التاريخ الاسلامي سواء فى العصر النبوي أو في زمن خلفاء الثلاث ، ورغم هذه المكانة المشهودة، شهد العصر الأموي تحولاً سياسياً أدى إلى نشوء ظاهرة خطيرة على المنابر تمثلت في سبّ الإمام والنيل منه، وهي الظاهرة التي استمرت عقوداً حتى أبطلها الخليفة الأموى  عمر بن عبد العزيز. يهدف هذا المقال إلى توثيق هذه الظاهرة استناداً إلى المصادر والمرويات التاريخية المعتمدة بنصوصها الأصيلة.
أولاً: ام المؤمنين أم سلمة وسب الامام على
 أورد الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن أبي عبد الله الجدلي قال:
"دخلت على أم سلمة، فقالت لي: أَيُسَبُّ فِيكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ! قُلْتُ: مَعَاذَ اللَّهِ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ سَبَّ عَلِيًّا فَقَدْ سَبَّنِي."
ثانياً: الاعتراف السياسي بـ"ضرورة" السب
لم يكن السب مجرد تصرفات فردية عفوية، بل تشير المرويات التاريخية إلى أنه كان سياسة مرسومة رأت بعض القيادات الأموية أنها ضرورية لاستقرار الحكم. ينقل شمس الدين الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام من رواية عمر بن علي بن الحسين، عن أبيه قال:
"قال مروان: ما كان في القوم أدفع عن صاحبنا -يعني علياً- عن عثمان، فقلت: ما بالكم تسبونه على المنابر! قال: لا يستقيم الأمر إلا بذلك." (رواه ابن أبي خيثمة وإسناده قوي).
ثالثاً: التوجيهات الرسمية للولاة والعمال
تواترت الأخبار التاريخية بأن سب الإمام علي كان يصدر بتوجيهات مباشرة من قادة الدولة إلى الولاة في الأقاليم. يذكر ابن الأثير في الكامل في التاريخ سياق تولية المغيرة بن شعبة على الكوفة من قِبل معاوية بن أبي سفيان، حيث دعاه وقال له:
"أما بعد، فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا، ولا يجزئ عنك الحليم بغير التعليم، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة، أنا تاركها اعتماداً على بصرك، ولست تاركاً إيصاءك بخصلة واحدة: لا تترك شتم علي وذمه، والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب لأصحاب علي والإقصاء لهم، والإطراء لشيعة عثمان والإدناء لهم. فقال له المغيرة: جربت وجربت، وعملت قبلك لغيرك، فلم يذمني، وستبلو فتحمد، أو تذم. فقال: بل نحمد إن شاء الله".
وفي ذات السياق، يؤكد عماد الدين أبو الفداء الأيوبي في كتابه المختصر في أخبار البشر هذا المنهج العام بقوله:
"وكان معاوية وعماله يدعون لعثمان في الخطبة يوم الجمعة ويسبون علياً ويقعون فيه".
كما أشار ابن الأثير في الكامل في التاريخ إلى وصول الأمر إلى القنوت في بعض الفترات الحرجة من الصراع السياسي بقوله:
"أن معاوية كان إذا قنت سب علياً وابن عباس والحسن والحسين والأشتر".
رابعاً: مناخ الترهيب السياسي وغياب الفضائل
أدى هذا المناخ السياسي المشحون إلى التضييق على نشر فضائل الإمام علي ومناقبه؛ خوفاً من الملاحقة أو البطش. ويظهر ذلك جلياً في الرواية التي أوردها ابن الأثير في أسد الغابة عن عبد الله بن العلاء عن الزهري قال: سمعت سعيد بن جناب يحدث عن أبي عنفوانة المازني قال سمعت أبا جنيدة جندع بن عمرو بن مازن قال سمعت النبي يقول من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، وسمعته وإلا صمتاً يقول وقد انصرف من حجة الوداع فلما نزل غدير خم وأخذ بيد علي وقال: «من كنت وليه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه».
قال عبيد الله: فقلت للزهري: ألا تحدث بهذا بالشام وأنت تسمع ملء أذنبيك سب علي؟ فقال: والله إن عندي من فضائل علي ما لو تحدثت بها لُقِتلت.
خامساً: المدى الزمني والتحول على يد عمر بن عبد العزيز
اتفق المؤرخون على تحديد الإطار الزمني الدقيق لظاهرة السب على المنابر؛ حيث يذكر أبو الفداء في المختصر في أخبار البشر:
"وكان خلفاء بني أمية يسبون علياً رضي الله عنه، من سنة إحدى وأربعين، وهي السنة التي خلع الحسن فيها نفسه من الخلافة، إلى أول سنة تسع وتسعين، آخر أيام سليمان بن عبد الملك".
وجاء عهد الخليفة الراشد الخامس ليمثل قطيعة مع هذا النهج؛ حيث يقول مجير الدين العليمي في كتابه التاريخ المعتبر في أنباء من غمر:
"عند ذكره لخلافة عمر بن عبد العزيز: ومن أعظم حسناته: إبطال سبِّ عليِّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - على المنابر؛ فإن خلفاء بني أمية كانوا يسبونه، من سنة إحدى وأربعين، وهي السنة التي خَلع الحسن فيها نفسه من الخلافة، إلى أول سنة تسع وتسعين، آخر أيام سليمان بن عبد الملك، فلما ولي عمر، أبطل ذلك، وكتب إلى نوابه بإبطاله".
ويوضح الأتليدي في كتابه نوادر الخلفاء البديل الشرعي الذي وضعه عمر بن عبد العزيز ليكون بديلاً عن ذلك السب، حيث قال:
"أزال ما كانت بنو أمية تذكر به علياً رضي الله عنه، على المنابر وجعل مكان ذلك قوله تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" الآية".
خاتمة
تثبت النصوص الحديثية والتاريخية المعتمدة لدى مؤرخي الإسلام أن ظاهرة سب الإمام علي على المنابر كانت حقيقة تاريخية فرضتها ظروف الصراع السياسي وصناعة الولاء في العصر الأموي لقرابة ستة عقود (من سنة 41 هـ إلى سنة 99 هـ). ورغم استمرارها هذه المدة، فإن الوجدان الإسلامي العام استنكرها، وصححها المسار الإصلاحي لعمر بن عبد العزيز، لتبقى هذه الحقبة درساً تاريخياً حول خطورة إقحام المقدسات والمنابر الدينية في الخصومات السياسية.

الامام_علي_الرحمة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!