اتصلَ بي صديقٌ عزيزٌ منْ محافظةِ نينوى، يعمل مستشارا قانونيا ، ومحامي منذ أكثر من خمسون عاما، يحملُ في صوتهِ وجعا عميقا. أرسلَ لي مقطع فيديو لمدرسةٍ متهالكةٍ في إحدى محافظاتنا الجنوبية؛ جدرانها متشققة، وسقفها يكادُ ينهار، ومعَ ذلكَ ظلَ المعلمَ وطلابه صامدين، يتمسكونَ بحقهمْ في التعلمِ وسطَ ظروفٍ قاسية، في صورةٍ تعبرُ عنْ صلابةِ المعلمِ العراقيِ وإصرارِ طلبتهِ على طلبِ العلم.
لقدْ دارَ بيننا حديثٌ طويلٌ عنْ مسؤوليةِ الحكومتينِ المركزيةِ والمحليةِ تجاهَ هذا التراجعِ المؤلم في التعليم، فالأولى بالسلطات التنفيذية، أنْ تجعلَ التعليم والمدارس في مقدمةِ أولوياتها، لأنَ في تلكَ الصفوفِ تبنى عقول الأجيال، وتصاغُ ملامحُ المستقبل، فالمدارسُ هيَ التي تخرجُ الأطباءُ والمهندسونَ والعلماءُ والمثقفونَ القادرونَ على بناءِ الأوطان، وفي قلبِ هذهِ الرسالةِ يقفُ المعلم، بوصفهِ اللبنةَ الأولى في صناعةِ الإنسان.
لقدْ أولى الإسلام العلم مكانة عظيمة، فكانتْ أول آيةٍ نزلتْ على النبيِ محمدٍ (ص) في قولهِ تعالى: (اقرأْ باسمِ ربكَ الذي خلقَ ) ، (العلق: 1) ، كما أقسمَ اللهُ بالقلمِ في قولهِ سبحانه: وتعالى (ن، والقلم، وما يسطرونَ ) ، (القلم، 1 ) ، وهذا تأكيدا لقيمةِ القراءةِ والكتابةِ في بناءِ الحضاراتِ وحفظِ المعرفة. منذُ عهدِ الرسولِ محمد (ص) أصبحَ التعليمُ رسالةً سامية، حتى جعلَ تعليم القراءةِ والكتابةِ فداء لبعضِ أسرى بدر.
لوْ تأملنا تجربةَ دولةٍ صغيرةٍ مثل (سنغافورة ) ، لوجدنا أنَ التعليمَ كانَ أساسَ نهضتها؛ فرغمَ صغرِ مساحتها، استطاعتْ أنْ تحققَ واحدا منْ أفضلِ الأنظمةِ التعليميةِ في العالم، حتى أصبحتْ منْ الدولِ المتقدمةِ اقتصاديا في الجوانب المالية.
إنَ تحميلَ الدولةِ وحدها مسؤوليةْ التراجعِ العلميِ ليسَ منصفا، فالمجتمعُ أيضا شريك في الأزمة، ولوْ بنسبةٍ قليلة، ففي الوقتِ الذي تنفقُ فيهِ أموالاً طائلةً على المناسباتِ الاجتماعيةِ والعشائريةِ والدينية، تقفُ مدارسنا شاهدةً على الإهمالِ وضعفِ الإمكانات، فالمشكلةُ ليستْ في الكرمِ أوْ التقاليد، بلْ في الإفراطِ والمبالغةِ وتحويلِ المناسباتِ إلى ساحاتٍ للمباهاة، بينما يمكنُ توجيهُ جزءٍ بسيطٍ منْ هذهِ الأموالِ لبناءِ مدرسة، أوْ ترميمِ صف، أوْ توفيرِ مستلزماتٍ تعليميةٍ لمختبرٍ أوْ مكتبةٍ في مدرسةِ ما، تتركُ أثرا دائما في حياةِ الأجيالِ القادمةِ ضمنَ الرقعةِ الجغرافيةِ للنشاطِ المجتمعي.
التعليمُ ليسَ خدمةً عابرة، ولا نشاطا هامشيا يمارس، ثمَ ينسى، بلْ هوَ القاعدة الصلبة التي يبنى عليها الإنسان، ويستقيمُ بها مستقبلُ الأوطانز منْ هنا، يحقُ لنا أنْ نراجعَ سياسيتينِ الاجتماعية، بوعيٍ أعمق، وأنْ نتساءلَ بصدق: ماذا نورثُ لأبنائنا؟ أتراث مظاهر مؤقتة سرعانَ ما يتلاشى بريقها، أمْ نتركُ لهمْ أساسا معرفيا متينا ينهضونَ عليهِ نحوَ غدٍ أكثرَ استقرارا وازدهارا؟
إن التاريخُ لا يخلدُ مظاهر التفاخرِ العابر، ولا الولائم التي تستهلكها اللحظة، بلْ يبقي في ذاكرتهِ ما أبدعتهُ الأممُ منْ صروحِ العلمِ ومراكزِ المعرفة، فمدارسُ المستنصريةِ في العراق، والأزهر في القاهرة، والزيتونة في تونس، لمْ تكنْ مجرد مبان، بلْ كانتْ منارات حضارية ما تزالُ تشهدُ على عظمةِ منْ جعلَ العلم مشروعا دائما لا ترفا مؤقتا، وحينَ تقدمِ المصلحةِ العامةِ على نزعاتِ الاستعراضِ والتباهي، نكون قدْ بدأنا- فعليا- في وضعِ اللبنةِ الأولى لبناءِ مجتمعٍ أكثرَ وعيا، ووطن أكثر نهوضا، يستندُ إلى العلمِ لا إلى الزينةِ العابرة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!