في أعقاب نشر المنهاج الوزاري لرئيس الوزراء المُكلَّف، تسنَّى لي الاطلاع على بعض الآراء التي قيلت بشأن ما ينبغي أن يتضمَّنه المنهاج الوزاري من مبادئ وتفاصيل.وبالنظر لعدم دقة،بل عدم صحة، بعض هذه الآراء، وبغية إيضاح الحقيقة للرأي العام ؛ فسأعمد إلى بيان ما ينبغي أن يتضمَّنه المنهاج من الناحية الدستورية.وفي هذا المقام سأسعى إلى بحث المحاور الآتية بإيجازٍ شديدٍ غير مخلٍّ :
أولاً: ماهيَّة المنهاج الوزاري ؟
ثانياً: الأساس الدستوري للمنهاج الوزاري في العراق.
ثالثاً: ما الذي ينبغي أن يتضمَّنه المنهاج الوزاري من الناحية الدستورية في التوجُّهات الحديثة ؟
رابعاً: ما الفرق بين المنهاج الوزاري والبرنامج الحكومي ؟
خامساً: هل ينبغي أن يتضمَّن المنهاج آليات التنفيذ ؟
سادساً:هل ينبغي أن يتضمَّن المنهاج جداول زمنيةً ومدداً للتنفيذ؟
سابعاً: هل ينبغي أن يُقسِّم المنهاج عمر الحكومة إلى مراحل من حيث الإنجاز ؟
ثامناً: هل ينبغي أن يتضمَّن المنهاج مؤشرات قياس الأداء (KPIs)؟
وسأتناول في هذا الجزء المحاور الثلاثة الأُول وأذَر الأُخر إلى الجزء الثاني إنْ شاء الله.
أولاً: ماهيَّة المنهاج الوزاري ؟
يعدُّ المنهاج الوزاري الوثيقة الدستورية والسياسية التي يترتب عليها منح الثقة للحكومة في الأنظمة البرلمانية.فهو بمثابة "العقد" بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وبمقتضاه يتم مساءلة الحكومة لاحقاً.إنَّ المنهاج الوزاري في الأنظمة البرلمانية ليس مجرَّد خطابٍ سياسي، بل هو ــ دستورياً وسياسياً ــ وثيقةٌ تعاقديةٌ بين الحكومة والبرلمان،ومنها تستمد الحكومة شرعيتها السياسية بعد نيل الثقة.وتبدو أهمية المنهاج الوزاري مضاعفةً ؛ لأن مجلس النواب لا يمنح الثقة لرئيس الوزراء فقط، بل يمنحها للحكومة كلها استناداً إلى هذا المنهاج. وبحسب ماهيتهِ وطبيعتهِ، لا يعدُّ المنهاج الوزاري قانوناً، ولا مجرَّد خطابٍ سياسيٍّ رمزي، بل هو أقرب إلى أن يضمَّ بين جوانحهِ المفاهيم الأربعة الآتية :
1- إنه وثيقةٌ دستوريةٌ-سياسيةٌ :
لأنها تُعبِّر عن التوجُّه العام للحكومة.
2- إنَّه التزامٌ برلمانيٌّ :
لأنَّ البرلمان –مجلس النواب- مُلزمٌ دستورياً بالتصويت عليه ؛ بغية الموافقة عليه أو رفضه.وإنَّ الثقة التي منحها المجلس للحكومة قد أُشفعت بالموافقة على المنهاج ؛ فباتا وقد غشيتهما الثقة معاً في آنٍ واحد.بل ليس ببعيدٍ القول إنَّ الثقة للحكومة قد مُنحت على أساس المنهاج والرضا به.
3- إنَّه إطارٌ للمساءلة :
إذ يستطيع البرلمان بعد إقرار المنهاج أن يُسائِل الحكومة عن مدى تنفيذ ما تعهدت به من التزاماتٍ وردت فيه.
4- إنَّه أداةٌ للتخطيط العام :
يتحوَّل المنهاج في الأنظمة الحديثة إلى خطة تنفيذٍ وأداءٍ ومؤشرات قياسٍ وجداول زمنيةٍ وموازناتٍ مرتبطةٍ بالأهداف.
وإذا كانت المفاهيم الثلاثة الأُول محلَّ اتفاقٍ، ولا تُثير خلافاً، فإنَّ البعض قد يعترض على المفهوم الرابع،بيد أنَّ التوجُّه الحديث يعضده، وبخلافه سيضحى المنهاج مجرَّد خطابٍ سياسي أو عَرض نوايا أو قائمةً بالأمنيات السعيدة !!
ثانياً : الأساس الدستوري للمنهاج الوزاري في العراق :
ينصُّ دستور جمهورية العراق الدائم لسنة 2005 في المادة (76/رابعاً) على الآتي :
((يعرض رئيس مجلس الوزراء المكلَّف أسماء أعضاء وزارته والمنهاج الوزاري على مجلس النواب، ويعد حائزاً ثقتها عند الموافقة على الوزراء منفردين والمنهاج الوزاري بالأغلبية المطلقة )).
ويُستشف من هذا النصُّ الدلالات الآتية :
1. إنَّ المنهاج الوزاري شرطٌ دستوريٌّ لنيل الثقة.
2. إنَّ الثقة تُمنح للمنهاج بقدر ما تُمنح لأعضاء الحكومة –الوزراء-.
3. سيغدو المنهاج أساساً للمساءلة البرلمانية بعد نيل الثقة، وستُحاسَب الحكومة على ما التزمت به قِبل البرلمان.
ثالثاً: ما الذي ينبغي أن يتضمَّنه المنهاج الوزاري من الناحية الدستورية الحديثة ؟
يُفترض أن يتضمَّن المنهاج الوزاري المتكامل عدَّة مستوياتٍ :
المستوى الأول: الرؤية السياسية العامة للدولة :
هذا الجزء بطبيعته يكون عاماً نسبياً، ويتضمَّن ما يأتي :
فلسفة الحكومة السياسية، أولويات المرحلة، تعريف التحديات الوطنية، تصوُّر الحكومة لطبيعة الدولة والاقتصاد والإدارة.مثلاً: تحديد معالم العلاقة بين المركز والأقاليم والمحافظات،مكافحة الفساد،تعزيز السيادة،الإصلاح الاقتصادي،تنويع مصادر الدخل، إصلاح الخدمات العامة..الخ.
المستوى الثاني: الأولويات الاستراتيجية :
وهنا يبدأ المنهاج بالانتقال من العموميات إلى السياسات التفصيلية القطاعية.مثلاً :
في الاقتصاد : إصلاح النظام الضريبي عبر تحديد خطواتٍ محدَّدةٍ، تقليل الاعتماد على النفط، تشجيع القطاع الخاص عبر تحديد مساراتٍ معينةٍ ومحدَّدةٍ، إصلاح المصارف..
في الطاقة : زيادة إنتاج الكهرباء وتحديد النسبة التقديرية للزيادة المزمع الوصول إليها، تقليل حرق الغاز، التوسع في الطاقة المتجدِّدة عبر تحديد بعض مصادرها..
في الصحة : التوسع في شمول الضمان الصحي،بناء المستشفيات وتحديد السقف المتوقع لما يمكن بناؤه منها خلال مدةٍ تقديريةٍ..
في التعليم : تطوير المناهج،إصلاح الجامعات وموائمة الجامعات الأهلية لتكون على وفق المعايير العلمية الدولية المنضبطة، التدريب المهني..
فهذا المستوى ينبغي أن يكون أكثر تحديداً، فبدلاً من أن يورد المنهاج العبارة الفضفاضة "القضاء على البطالة"، يجب أن يُحدِّد الآليات التي يتعيَّن سلوكها في هذا السبيل، منها مثلاً أن يورد ( عبر منح قروضٍ مُيسَّرةٍ لمليون مشروعٍ صغير)، وبدلاً من القول (توسيع شبكة الكهرباء أو حل مشكلة الكهرباء) ينبغي أن يورد المنهاج -مثلاً-: (إضافة 5000 ميغاواط خلال 3 سنوات، تقليل ساعات الانقطاع بنسبة 40%...الخ).
المستوى الثالث: المناهج التنفيذية :
هنا يصبح المنهاج الوزاري جديَّاً فعلاً ، إذ ينبغي أن يجيب عن الأسئلة الآتية :ماذا ستفعل الحكومة تحديداً ؟ بأي أدواتٍ تُنفِّذ ؟ مَنْ هي الجهة المنفِّذة ؟ ما الإطار الزمني؟ ما الكلفة التقديرية ؟ما مؤشرات النجاح ؟
ومعنى ذلك الانتقال من الوعود والخطابات الإنشائية إلى الالتزامات القابلة للتقويم والرقابة.وهذا هو المستوى الذي يغيب غالباً عن التجربة العراقية.مع التنويه بوجود تفصيلاتٍ في الموضوع سأتحدث عنها لاحقاً. يتبع إن شاء الله..


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!