منذُ كنّا صغارًا، وما زالت تتردّد على أسماعِنا حكايةُ رجلٍ طيّبٍ فاق الإحسانُ وصفَه، كنّا نأنسُ بذكرِه، ونطمئنُّ إليه، ونشتاقُ له دون أن نراه، وكيف لا، وقد حفظت له الغزالةُ عهدَها، ووفَت له بروحٍ ندر أن يُعرَف لها نظيرٌ في ردِّ الأمانة؟.
لم تكن تلك الحكايةُ مجرّد خيالٍ لينامَ الأطفال، ولا سردًا يُروى للتسلية، بل كانت صورةً تُجسّد معنىً أعظم، وترسم في ثناياها خُلُقًا لا يشبه خُلُق سائر الناس. وُلد الإمامُ عليٌّ بنُ موسى الرضا (عليه السلام) في المدينة المنوّرة، سنة 148 هـ، في بيتٍ طاهرٍ نشأ على النبوّة، والإمامة، فكان ميلادُه حلقة لسلسلةٍ لم تنفصم من الهدايةِ الإلهيّة، وكانت أمُّه السيّدة نجمة (عليها السلام)، من النساء الصالحات، الطاهرات، وقد نُقل عنها في حملها به (عليه السلام) أنّها لم تجد في بطنها ألمًا، ولا وجعًا، وكأنّها تحمل نورًا لا تثقله مشقّة، ولا تعتريه آلامُ سائرِ النساء، وكانت تقول (عليها السلام): "ما شعرتُ بثِقَلِ حملٍ كما تشعر النساء، ولا وجدتُ له ألمًا، بل كنتُ أرى في نومي نورًا يسطع منّي حتى يملأ الآفاق"(عيون أخبار الرضا، ج1، مع اختلافٍ في الألفاظ)، فجاءت ولادتُه (عليه السلام) آيةً من الطمأنينة لأهل الأرض، وبشارة من نور.
فكان يا ما كان في سالفِ الأزمان، يُروى أنّ الإمام (عليه السلام) كان في طريقه، فرأى صيّادًا قد أمسك غزالةً وهي تضطرب. فقالت الغزالة (بإذن الله تعالى): "يا ابنَ رسولِ الله، إنّ لي خِشْفَين في البرّ لم أُرضعهما، فاستأذن لي عند هذا الصيّاد أن أذهب فأُرضعهما ثم أعود"، فالتفت الإمام إلى الصيّاد، وطلب منه أن يطلقها على أن تكون بضمانته.
فقال الصيّاد: كيف أضمن رجوعها؟
فقال (عليه السلام): "أنا ضامنٌ لها" فأطلقها، فذهبت ثم عادت كما وعدت، لم تُخلف عهدًا ولم تنقض وعدًا. فعجب الصيّاد وقال: "أُطلقها لوجهِ الله". (بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي، ج49)
وهنا لا تقفُ القصةُ عند حدود الغزالة، بل تمتدّ لتكشف عن قلبٍ لو ائتمنه الكونُ لوفى، ورحمةٍ عمّت حتّى من لا ينطق، وصدقٍ إذا ضَمِنَ لم يُخلف.
إنّه الإمامُ الضامن، عليُّ بنُ موسى الرضا (عليه السلام)، الذي إذا ذُكر نزلت الرحمة، وإذا حضر حلّ الأمان، وإذا عُرف أدركت القلوب الطمأنينة.
اجتمعت في شخصه (عليه السلام) أنبلُ صفاتِ مكارم الأخلاق، فكان العلمُ، والحِلمُ، والكرمُ، والتواضعُ، والرحمةُ كأنّها فيه طبيعةٌ واحدة لا تتجزأ. وكان إذا جالس الناس بسط وجهه لهم، وإذا سُئل أجاب بعلمٍ يقطع الشك، وإذا أُسيء إليه قابل الإساءة بالدعاء لا بالردّ، وبالصفح لا بالانتقام.
وقد رُوي أنّ رجلًا أساء إليه، فلم يُقابله إلّا بالدعاء قائلاً: "إن كان ما قلتَ فيَّ حقًّا فغفر الله لي، وإن كان باطلًا فغفر الله لك". (بحار الأنوار، ج49)
وكان (عليه السلام) معروفًا بتواضعه مع خدمه، إذ كان إذا خلا جمعهم، فيُجلسهم معه على مائدته، لا يفرّق بينهم وبينه، وكأنّهم أهلُ بيتٍ واحد. (عيون أخبار الرضا، ج2) وفي ذلك دلالةٌ على أن التواضع يُسقط الفوارق، وأن رفعة الإنسان بالرحمة لا بالمكانة.
وكذلك حين أُجبر (عليه السلام) على ولاية العهد مع المأمون العباسي، لم يقبلها طلبًا للسلطة، بل اشترط أن لا يأمر ولا ينهى، ولا يتدخّل في الحكم، ليُظهر أنّ الإمامة ليست طلبًا للسلطان، بل مسؤوليةٌ إلهيّةٌ، وتكليف ربّاني. (الإرشاد، الشيخ المفيد، ج2)
وهكذا لم يكن الإمامُ الرضا (عليه السلام) رجلًا تُروى ألقابه، وتُسرد مواقفه فحسب، بل كان روحًا تُستشعر في كلّ حكاية، وامتدادًا للرحمة في كلّ عطاء، وسيرةً تُرسّخ معنى الإنسان في أبهى صور الإنسانيّة.
فإن سُمّي أنيسَ النفوس فليس ذلك لقبًا يُقال، بل حقيقةٌ تسكن القلوب قبل أن تُسطَّر في الكتب، ويطمئنّ إليها الوجدان قبل أن تنطق بها الألسن.
ولنا، وللقارئ، والسامع شواهدُ من أثره، ومواقفُ تُروى في قضاء الحوائج، وكشف الكربات، وتفريج الهموم
ولا يزال التوسّل به بابًا مفتوحًا، وحبلًا ممتدًّا بين العبد وربّه، يقصده المحتاج، ويلجأ إليه المضطرّ، ويأوي إليه من ضاقت به السبل. فليس منّا من يعرف اليأس وله إلى الله (تعالى) وسيلة، وأعظم وسائل القرب، والرجاء الإمامُ الرضا (عليه السلام).
واليوم، وفي خضمّ ما يدمي القلوب من أحداثٍ، وآلام تنزف الأرواح شوقًا إلى حضرته، وتحنّ النفوس إلى جواره، وتشتاق القلوب إلى زيارته.
فيا الله (تعالى) ، ارزقنا في الدنيا زيارته، وفي الآخرة شفاعته. والسلامُ على أنيسِ النفوس، وغريبِ طوس، والإمامِ الرؤوف، الهمّامُ المقدام، والعالم المغوار، نور الله (تعالى) في أرضه، وحجّته على خلقه يوم ولد، ويوم استُشهد، ويوم يُبعث حيًّا.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!