يظنَ أنَ العالمَ يبدأُ منْ صوتهِ وينتهي عندَ ظلهِ في كلِ صباح، يستيقظَ ليعلنَ حربا جديدة، بعدما اعتادَ أنْ يروجَ الأكاذيب، مدعيا أنهُ أوقفَ حروبَ العالمِ ويستحقُ جائزةَ نوبلْ للسلام. لكنْ سرعانَ ما انكشفَ قناعه، وظهرَ وجههُ الحقيقيُ قائدا لحربٍ ظالمة، تشعلَ النارُ في العالمِ بلا رحمة.
لم يعنيهُ منْ يقتل، ولا منْ يشرد، ولا منْ تدمرُ حياته؛ كلَ ما يعنيهُ هوَ كيفَ يحافظُ على مضيقِ هرمز، ويحمي الكيان المغتصب لأرض العرب والمسلمين . وكأنَ الممرَ أغلى منْ الإنسانِ والإنسانية، وحماية المجرمين بطولة. إنهُ طاغيةَ هذا العصر، هوَ ومنْ معهُ منْ بقايا عالمٍ مشوه، جاؤوا منْ أطرافِ الأرضِ ليسلبوا ويقتلوا شعبا مسالما عاشَ في أرضهِ منذُ فجرِ التاريخ، يستندونَ إلى أوهامٍ واهية، وأكاذيبُ لا أصلَ لها، وخرافاتٌ بلا بدايةٍ ولا نهاية.
هكذا يبدو العالمُ الجديد، رغمَ قيامِ الأممِ المتحدةِ التي ـتأسست عامَ 1945، وميثاقها الذي نادى بالسلامِ والحوارِ كطريقٍ لحلِ أزماتِ البشر. لكنْ الواقعُ اليومَ يكشفُ فجوةً مؤلمةً بينَ المبادئِ المعلنة، وما يجري على أرضِ الحقيقة.
في زمنٍ تختلطُ فيهِ السياسةُ بالأدب، وتتشابكَ فيهِ الوقائعُ معَ السرد، لا تعودُ الحكاياتُ مجردَ حكايات، بلْ تصبحُ مرايا لواقعٍ يعادُ تشكيلهُ بالكلمات. هناك، حيثُ يصنعُ البطلُ أحيانا منْ صدى صوته، لا منْ صلابةِ أفعاله، تبدأَ القصةُ … لا يهمُ معَ من، ولا لماذا.
كانَ يحتاجُ فقطْ إلى عدو، أيُ عدو، ليقنع نفسهُ أنهُ بطل. يرسمَ خصومهُ كما يشاء: مرةُ وحوش، ومرةُ خونة، ومرةُ أشباحٍ تتربصُ بهِ منْ خلفِ الجدران. لمْ يكنْ أحدٌ يراهمْ سواهُ … لكنهُ كانَ يصرخُ بأسمائهمْ حتى يصدقهمْ الآخرون.
بدأتْ حكايتهُ بخلافٍ صغير، فكرةٌ عابرة، ثمَ كبرها حتى صارتْ معركة، ومعَ كلِ معركة، كانَ يضيفُ طبقةً جديدةً منْ الوهم. يرفعَ صوتهُ أكثر، يهددَ أكثر، ويتوعدَ بنهاياتٍ عظيمةٍ لا تأتي أبدا.
كانَ يعتقدُ أنَ الفوضى قوةً … وأنَ التخبطَ دهاءً … وأنَ التراجعَ مجردُ مناورةٍ ذكية. لكنَ الحقيقةَ كانتْ أبسطَ منْ كلِ ذلك. كلما أعلنَ حربا، خسرَ جزءا منْ نفسه. كلما أخترعُ عدوا، فقدَ صديقا. وكلما بالغ في بطولته، انكشفَ خوائه. وحينُ اشتدتْ عليهِ الأيام، حاولَ أنْ يجمعَ منْ حولهِ حلفاء. التفتَ يمين … فلمْ يجدْ إلا الصمت.
التفتَ يسارا … فلمَ يرَ إلا ظلالاً تتلاشى، حتى أولئكَ الذينَ صفقوا لهُ يوم، تعبوا منْ التصفيقِ لفراغ. فزادَ صراخه. هدد، وتوعد، ولوحَ بنهاياتٍ كبرى … لكنهُ في داخلهِ كانَ يعرفُ أنَ قصتهُ بدأتْ تتآكل. لمْ يعدْ أحدُ يخاف، ولمْ يعدْ أحدُ يصدق. وفي لحظةٍ متأخرةٍ جدا … أدركَ أنهُ لمْ يكنْ يقاتلُ أحدا. كانَ يقاتلُ صورا رسمها بنفسه. وقفَ أمامَ مرآته، فرأى الحقيقةَ لأولِ مرة: رجلُ منْ كارتونٍ … صوتهِ عال، لكنَ جسدهُ هشٌ … يبدو ضخما منْ بعيد، لكنهُ ينهارُ بلمسةِ واقع.
حاول أن يُعلن النصر أخيرًا… لكن الكلمات خذلته، وتعثّرت على عتبة الحقيقة. وحين حان وقت الحساب، لم تكن هناك جيوش مصطفّة، ولا صليل معارك، ولا خيوط مؤامرات تُنسج في الخفاء… بل أرقام باردة، ووعود خاوية، وخسارات تتراكم بصمتٍ ثقيل.
وأمام هذا المشهد، وقف شعبٌ كامل، تاريخه بطولة، وحاضره تضحيات، وخلفه إرثٌ من حضارةٍ عريقة، ودينٍ راسخ، ومبادئ لا تنكسر، شعبٌ إذا حمل في يدٍ كتاب الله، وفي الأخرى سلاح الشرف والشهادة، فكيف يُهزم؟ وكيف تنطفئ فيه جذوة الصمود؟
إنها ليست معركة أرقام، بل معركة معنى… حيث لا يُقاس النصر بما يُعلن، بل بما يبقى حيًّا في القلوب. عندها … أشهرُ إفلاسه. لا كقائدِ خسرَ حربا، بلْ كحكايةٍ انكشفت. ، لمْ يعدْ أحدٌ يذكرهُ كبطلٍ … بلْ كدرس: إنَ منْ يصنعُ أعدائهِ منْ الوهمِ … ينتهي مهزومٌ أمامَ الحقيقة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!