تخطّى الإمامُ محمّدُ بنُ عليٍّ الباقرُ (عليه السلام) حدودَ العلم، ففاق وصفَه عالمًا يُؤخذ عنه، فكان منبعًا تتفجّر منه العلوم، وبصيرةً تُحيي الأفئدة قبل أن تُغذّي العقولَ بالمعرفة.
لقد رسم (عليه السلام) معالمَ العلم الحقيقيّ حين قال: "إنّما العالمُ من يخشى الله" (الكافي، ج1، باب صفة العلم وفضله)، فقرن العلمَ بالخشية، فهو ليس كتبًا تُقرأ، ولا قولًا يُنقل.
ولم يكن علمُه حبيسَ القول، بل كان رهينَ الفعل، في قيدِ نهجِ بناءٍ للإنسان المتكامل؛ إذ قال (عليه السلام): "لا يكون العبدُ عالمًا حتى لا يكون حاسدًا لمن فوقه، ولا مُحتقرًا لمن دونه" (الكافي، ج1، باب صفة العلم وفضله)، فجمع العلمَ بمكارم الأخلاق، وربطه بتزكية النفس.
وقد بلغ من سعة علمه أن قال محمّد بن مسلم الثقفي: "سألتُ أبا جعفر (عليه السلام) عن ثلاثين ألف حديث" (رجال الكشّي)، في دلالةٍ على عطاءٍ لا يُحدّ مداه، ومدرسةٍ لا ينضبُ معينُها.
وهكذا لم يتوقّف (عليه السلام) عند كونه ناقلًا للعلم فحسب، بل كان مؤسّسًا لــنهج الإمامة، يصعب تعداد عطائه، وتنوّع معارفه، ويستحيل احتواؤها، فبقي أثرُها قائمًا، وثمرُها ممتدًّا، وظلُّها وارفًا، تشهد لها القرون، ويسلك نهجَها كلُّ من طلب الحقيقة.
وكان محمّدُ بنُ عليٍّ الباقرُ (عليه السلام) خُلُقًا يُقتدى به، وحِلمًا يُدهش حتى خصومَه، ويقهر به كبرياءَ الأعداء. فقد رُوي أنّ رجلًا جاءه فأخذ يسيء إليه ويشتمه، فلم يقابله (عليه السلام) إلا بسكينةٍ تليق بمقامه،
حتّى إذا فرغ، قال له: "إن كنتَ قلتَ ما فيَّ، فغفر اللهُ لي، وإن لم يكن فيَّ، فغفر اللهُ لك"
(الإرشاد، الشيخ المفيد، ج2؛ بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي، ج46).
فكانت عبارةٌ واحدة كفيلةً بأن تهدمَ تراكمات الحقد، والغيرة، وتحيل قسوةَ القلوب انكسارًا، وتبدّل العداوة خجلًا، والإساءة صفحًا.
ولم يكن ذلك الموقف فريدًا، بل هو نهجٌ متكرّر؛ إذ يُروى أنّ رجلًا سخر من لقبه (الباقر) فقال استهزاءً: "أأنت بقر؟" فأجابه (عليه السلام) بهدوء: "أنا الباقر." فتمادى الرجل في إساءته، فلم يزده ذلك إلا حلمًا، حتى قال له:
"إن كنتَ صدقتَ، غفر اللهُ لها، وإن كنتَ كذبتَ، غفر اللهُ لك" (مناقب آل أبي طالب، ابن شهرآشوب، ج4؛ بحار الأنوار، ج46).
وهنا لا تستوقفنا حدودُ القصة، بل يستوقفنا عِظَمُ معناها؛ فحين تُقال الألفاظُ الجارحة، لا نكون أمام ردِّ فعلٍ عابر، بل أمام امتحانٍ فريدٍ للأخلاق، وموقفٍ حاسمٍ يكشف جوهرَ الإنسان.
لقد كانوا يحاولون النيل بالكلمة، وكان (عليه السلام) يُجيب بالفعل؛ يتبع الإساءةَ بالحسنة، ويردّ الأذى بالصفح، ويقابل القسوةَ باللين، ويطفئ الضغينةَ بالسكينة، حتّى يغدو الحِلمُ عنده موقفًا يُعلِّم الأجيال، لا ردًّا ينتهي بانتهاء لحظته.
كان الإمامُ محمّدُ بنُ عليٍّ الباقرُ (عليه السلام) حاضرًا في معركة كربلاء وهو في سنّ الطفولة المبكرة، إذ وُلد سنة 57 هـ، ووقعت الواقعة سنة 61 هـ، فكان صغيرَ السنّ، عظيمَ الشأن، شاهدًا على أقسى مصيبةٍ أصابت روحَ الإنسانية.
لم يكن حضوره حضورَ طفلٍ عابرٍ في مشهدٍ دمويّ، مهما بلغت شدّته، بل كان حضورَ شاهدٍ من أهل بيت الإمامة، يتلقّى الحدث في بدايات تكوينه، تحت رعاية أبيه الإمام المعصوم (عليه السلام)، ضمن العترة الطاهرة.
فكان من ذلك الامتداد الذي حُفظت به الرسالة بعد الطف، وأُحيي به الدين، واستمرّ به نهجُ الإمام الحسين (عليه السلام).
وقد انتقل مع السبايا من أرض كربلاء إلى الكوفة ثم إلى الشام، لا بوصفه براءةً قد عاشت المأساة، بل بوصفه حلقةً من حلقات الخط الإمامي الذي سيحفظ الذاكرة، ويصون الحقيقة عبر الزمن.
(الإرشاد، الشيخ المفيد، ج2؛ اللهوف، ابن طاووس؛ تاريخ الطبري، في أخبار الطف وما بعدها) وهكذا لم تكن طفولته مجرّد مرحلةٍ عُمريّة، ولا انتقالًا عابرًا بين زمنين، بل كانت بدايةَ حضورٍ لمشروع الإمامة، يُهيّئه اللهُ (تعالى) كمنارةٍ شامخةٍ تقصرُ دونها صفاتُ المديح، حافظةً للعهد بعد أبيه زين العبّاد (عليه السلام)، وباقرَ العلوم، يحمل أثرَ الطف في وعيه، فيحوّل الألم إلى مدرسةٍ لا تُقفل أبوابُها، ولا يجفُّ حبرُ قلمِها في التاريخ.
فالسلامُ على شمسِ اللهِ (تعالى) التي لا تغيب، باقرِ علومِ الأوّلين والآخرين، محمّدِ بنِ عليٍّ السجّاد، وأبي جعفرٍ الصادق (عليهم السلام أجمعين)، عالمٍ من بعد عالم، وعاصمٍ من بعد عاصم.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!