كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

حين كان الراوي ذاكرةً حيّة: ديناميات الرواية الشفوية وسعة الحفظ عند المحدّثين

في زمنٍ لم تكن فيه الكتب متاحة لكل طالب علم، ولا وسائل التدوين قد استقرّت بعد، كان الحفظ هو الوسيلة الأهم لنقل المعرفة، وكانت الذاكرة هي الوعاء الأول للعلم , ومن هنا نفهم لماذا تبدو أرقام الروايات التي نقرأها في كتب التراجم اليوم كبيرة، بل مدهشة أحيانًا، إذا قورنت بمعايير عصرنا.
تذكر المصادر التاريخية أسماء رواة ارتبطت أسماؤهم بكثرة الرواية وسعة الحفظ، ومنهم أبان بن تغلب، أحد أبرز أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، حيث يُنقل عنه أنّه روى آلاف الأحاديث عنه , ولم تكن هذه الكثرة ناتجة عن نقل عابر أو مجالس محدودة، بل عن ملازمة طويلة، وحضور دائم في مجالس العلم، وثقة متبادلة بين الإمام وتلميذه.
وينقل لنا محمد بن مسلم، وهو من أعلام أصحاب الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)، صورة واضحة عن هذا الواقع العلمي، حين يصرّح بأنّه سمع عشرات الآلاف من الأحاديث مباشرة من الإمامين , فقد ذُكر في ترجمة محمّد بن مسلم أنّه قال : " سمعت من أبي جعفر ( عليه السلام ) ثلاثين ألف حديث ، وسألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن ستّةَ عَشَرَ ألفَ حديث " .
 هذه الشهادة تكشف حجم النشاط العلمي الذي كان يدور في تلك المرحلة، حيث لم تكن العلاقة بين الإمام والراوي علاقة تلقّي جامد، بل حوارًا وسؤالًا وبحثًا مستمرًا.
أما جابر بن يزيد الجعفي، فيبقى مثالًا خاصًا في كتب الرجال، لا بسبب كثرة رواياته فحسب، بل بسبب طبيعة ما كان يحمله من علم , فقد نُقل عنه أنّه تلقّى من الإمام الباقر (عليه السلام) عددًا كبيرًا من الأحاديث التي لم يكن يُحدّث بها الناس , فقد ذكر في ترجمة جابر بن يزيد الجعفي أنّه قال : " رويت خمسين ألف حديث ما سمعها أحدٌ منّي " , وقال : " حدّثني أبو جعفر ( عليه السلام ) تسعين ألف حديث لم أُحدّث بها أحداً قط " .
 وهذا يلفت النظر إلى حقيقة مهمّة، وهي أنّ بعض المعارف كانت تُعطى لمن يملك القدرة على حفظها وفهمها، دون أن تكون بالضرورة صالحة للنشر العام في ذلك الظرف الزمني.

ولا يمكن الحديث عن كثرة الرواية دون التوقف عند الحفّاظ الكبار، ومنهم ابن عقدة، الذي اشتهر بقوة ذاكرته وسعة اطلاعه، حتى قيل إنّه كان يحفظ مئات الآلاف من الأحاديث بأسانيدها , فقد ذكر في ترجمة ابن عقدة أنّه قال : " أنا أحفظ مائة وعشرين ألف حديث بأسانيدها ، وأُذاكر بثلاثمائة ألف حديث " .
 وهذه الظاهرة لا يمكن فهمها إلا ضمن سياق ثقافة علمية كاملة، كانت تقوم على المذاكرة، والمقارنة بين الروايات، والتمييز بين الصحيح وغيره.
إن قراءة هذه الأرقام بعيدًا عن سياقها التاريخي قد تقود إلى استغراب أو تشكيك، لكن وضعها في إطارها الصحيح يكشف عن جيلٍ حمل العلم مسؤوليةً، وحفظه أمانة، ونقله للأجيال اللاحقة قبل أن تستقر حركة التدوين وتنتشر المصنفات.
لقد كان أولئك الرواة حلقة الوصل بين مصدر العلم والأمة، ومع اختلاف الوسائل اليوم، تبقى جهودهم شاهدًا على مرحلة تأسيسية لولاها لما وصل إلينا هذا التراث الغني , وربما يدعونا ذلك إلى إعادة الاعتبار لقيمة الحفظ، لا بوصفه مجرد قدرة ذهنية، بل باعتباره شكلًا من أشكال الأمانة العلمية.

 

الرواية.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!