كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

كيف نقرأ التأريخ ؟                

كيف نقرأ التأريخ ؟                

                     عضو
                            الأمانة    العامة لإتحاد المؤرخين الدولي                        
                                      كلية التربية – جامعة ميسان                                         

  التاريخ حسب رأي المؤرخ اليوناني هيرودوتس هو التحري والبحث والتحقيق في أحداث الماضي وتسجيلها .  وقال عنه ابن خلدون في مقدمته : (( إن التاريخ فن من الفنون الذي تتداوله الأمم والأجيال وتشد إليه الركائب والرحال ، وتسمو إلى معرفته السوقة والاغفال ، وتتنافس فيه الملوك والاقيال ، وتتساوى في فهمه العلماء والجهال ، إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأول ... وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق ، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق ، وجدير بأن يعد في علومها وخليق)) . إذن التاريخ هو دراسة الماضي البشري وتفسيره ويشمل سرد وتحليل الأحداث والتغيرات في المجتمع عبر الزمن ، بما في ذلك الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والثقافية  ، لتكوين فهم دقيق لأسباب ونتائج هذه الأحداث ، وكيف أثرت على البشرية.
  
   إن قراءة التاريخ لا تعني الاطلاع على سجل الماضي البشري فحسب ، بل تتجاوز ذلك إلى فهم كيفية كتابة هذا التأريخ وأسباب تدوينه . ومن هنا يصبح لزاما على قارئ التاريخ أن يخضع النصوص التاريخية التي بين يديه لامتحان نقدي صارم ، وان لا يتعامل معها على أنها حقائق مسلم بها أو تؤخذ على علاتها .
 ويتطلب هذا الفهم النقدي جملة من الأمور في مقدمتها الإحاطة بالسياق الزمني والمكاني للنص التاريخي ، أي طرح مجموعة من الأسئلة الجوهرية حوله ، مثل : متى كتب هذا النص؟ وما الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية التي أنتج فيها ؟ كذلك ينبغي التعرف على المؤرخ نفسه وخلفيته الفكرية والثقافية ومعرفة انتماءاته المختلفة ، سوا كانت سياسية أو دينية أو فكرية ، ومدى علاقته بالسلطة، وقربه أو بعده عن الحدث الذي يدونه . فكل هذه العوامل تؤثر في طبيعة الرواية التاريخية ومصداقيتها .
   ولا يقل أهمية عن ذلك التحقق من مدى وثاقة المؤرخ، وفحص المصادر التي اعتمد عليها : هل هي مصادر معاصرة للحدث أم متأخرة عنه؟ وما درجة موثوقيتها ؟ فبقدر ما تكون المصادر دقيقة وموثوقة يكون النص التاريخي اقرب إلى الحقيقة .وبذلك تصبح قراءة التاريخ فعلاً نقدياً واعياً ، يهدف إلى الفهم والتحليل ، لا مجرد الحفظ والتلقي .
  إن كل ما تقدم يهدف إلى السعي للوصول إلى الحقيقة ، مع الإقرار بأنه لا توجد حقيقة مطلقة في التاريخ. غير أن هذا لا يعني إن التأريخ كله زائف ، بل إن كتابته جرت أحيانا بعيدا عن التجرد والحياد ، إذ كتب من زاوية المنتصر ، أو من منظور السلطة أو وفق رؤى المذاهب والايدولوجيات السائدة ، أو من خلال مناهج موجهة تتوافق مع توجهات الحكام . وقد جرى تغليف هذه الكتابات بأطر ومفاهيم جديدة تصب في مصلحة تلك السلطات ، مع إعادة تفسير الأحداث بما يخدم هذه الرؤية ، لتبدو وكأنها حقائق غير قابلة للنقاش. ونتيجة لذلك تحولت بعض الروايات التاريخية إلى نصوص شبه مقدسة لا يجوز إخضاعها للنقد ، إذ عد نقدها تهديداً للوطن، أو للدين والعقيدة ، أو للفكر ، أو لغير ذلك من المسلمات المصطنعة . وهكذا استخدم التاريخ أحيانا للخداع أو التبرير أو السيطرة.

لقد مارست بعض السلطات هذا الأسلوب عبر العصور من اجل تبرير وجودها ، أو خدمة مصالحها ، أو صناعة هوية زائفة أو إخفاء ما يحرجها .بل أن بعضها اخترع إحداثا لم تقع ، ونسج حولها هالة من القداسة ، أو أضفى القدسية على بعض الشخصيات وغيب دور شخصيات أخرى خدمة لأغراضه، فأصبحت الأخطاء لا تروى والحقائق تطمس ، وبالتالي فان ما غيبه التاريخ اخطر مما كتب فيه .
  وفي هذا السياق لجأت بعض السلطات أحيانا إلى الخلط بين الدين وسلوك الدولة ، فنسبت أخطاء بعض الشخصيات إلى الدين ، في حين قدست أفعال آخرين لمجرد أنها وقعت تحت رايته . وبذلك خسرنا الدروس الحقيقة للتاريخ ، إذ لم تسرق الأحداث ذاتها بل سرق حقنا في فهمها ، وأصبحت الغاية حفظ التاريخ لا فهمه ، فحين نفهم التاريخ كما هو لا كما أريد له أن يكون نستعيد وعينا لا مجرد ذكرياتنا .
   وعليه فان الحل لا يكمن في رفض التاريخ  ، بل في تحريره من الهالة القدسية التي أضفيت عليه أحيانا ، وقراءته بعقل نقدي بعيدا عن الميول والاتجاهات . فاحترام بعض الشخصيات لا يعني بالضرورة عصمتها ، وحب الماضي والاعتزاز به لا يعني تزويره . فالتأريخ سجل للبشرية نتعلم منه لفهم الماضي ،  وتدبر شؤون الحاضر ، واستشراف المستقبل . وبالتالي يمكن القول : إن أي حديث عن التاريخ لا ينعكس على حاضرنا ومستقبلنا بالإيجاب فهو كلام من قبيل الثرثرة .

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!