نعم… أنا مع التطبيع، لكن ليس ذاك الذي تُوقَّع حروفه بالحبر البارد، ولا الذي تُصافَح فيه الأيدي بينما الأصابع ما زالت ملوّثة بالخوف.
أنا مع تطبيعٍ يبدأ من الإنسان حين يتذكّر أنه خُلق من طينٍ واحد، وأن الأرض لا تُقسَّم بالقوة بل تُحفظ بالعدل، وأن الأخوّة ليست شعارًا؛ بل اختبارًا يوميًّا للضمير.
أنا مع تطبيعٍ لا يتدرّب على الصمت، ولا يتقن فنّ النظر بعيدًا، تطبيعٍ يرفع صوته حين يختنق الصوت، ويقف حيث تميل الكفّة إلى وجعٍ أثقل من الاحتمال.
أنا مع تطبيعٍ يمشي في شوارع بيروت ولا يسأل عن الطائفة، ينصت لارتجاف الجدران ويعرف أن المدن حين تتألم وتصبح بشرًا.
أنا مع تطبيعٍ يتعلّم أسماء أطفال غزة قبل أن يحفظ أسماء العواصم، يفهم أن الحصار ليس دائرة على الخريطة بل ضيقًا في الرئة، وأن الدم لغة لا تحتاج إلى ترجمة.
أنا مع تطبيعٍ يغضب حين تلمع السواحل ولا تلمع العدالة، يشكّ في الموانئ
إذا لم ترَ الغرقى، ويحاسب البحر حين يصير شاهد زور.
أنا مع تطبيعٍ يرفع يديه إلى اليمن لا لعدّ الخسائر بل لردّ الروح، تطبيع يعرف أن القوة ليست في كثرة السلاح؛ بل في قلة القبور.
أنا مع تطبيعٍ يخرج من دجلة والفرات، من ألواح الطين الأولى، من سومر وبابل
حين كانت الكلمة وعدًا لا صفقة، وحين كان التاريخ يُكتب ليُقرأ.. لا ليُباع.
أنا مع تطبيعٍ يعيد الإنسان إلى صورته الأولى، ويكسر المرآة التي علّمتنا كراهية أنفسنا، تطبيعٍ يجرّد اللغة من أنيابها ويعيد للقلب حقّ الاعتراض.
أنا مع تطبيعٍ يجمعنا لا على الطاولة بل في الموقف، يوحّدنا ضد من زيّنوا الخيانة حتى صارت اعتيادًا، وضد من تأقلموا مع الذل حتى فقدوا الإحساس به.
أما ذاك التطبيع الذي يطلب من الذاكرة أن تنسى، ومن الدم أن يصمت، ومن الإنسان أن يتكيّف مع انكساره...
فليس لي..
أنا مع تطبيعٍ يُشبه الضوء حين يكون فاضحًا، لا الظل حين يكون مريحًا.
فنحن لا نخاف النار لنلوذ بالرماد، بل نخاف الرماد لأنه يتظاهر بأنه نهاية الحريق.
هنا التطبيع المنشود في العمود الصحفي هو تطبيعٌ آخر، تطبيعٌ مع القيم، مع الوعي، مع الإنسان قبل العناوين. هو محاولة لإزاحة المفهوم السائد لا تكريسه، وفتح نافذة بديلة للقراءة والفهم. لذلك جرّبنا شرف المحاولة… لأن الصمت أحيانًا أكثر تطبيعًا من الكلام.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!