كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

انصرم عام وجاء عام

انصرم عام وجاء عام

مرّ عام وحذفنا من أجهزتنا المحمولة (التلفون) أسماء رحل أصحابها عنّا خلسة أو ألفة، وسنبقى نشطب أو نجمّد بين فينة وأخرى أسماء وأسماء، وما ينطبق على غيرنا سينطبق علينا، ولا غرابة في ذلك كونها طبيعة هذه الحياة الدنيا الزائلة المتقلّبة الأحوال والمطبوع على جبينها عبارة: لا خلود ولا بقاء.
ونحن وإن رافقنا أثناء هذا المسير توجعّ كبير على سلوة السنين ممّن وري جسده في الثرى أو سكنت روحه حفرة اليقين، فحقّاً لا نأسف على من هجر عشرتنا ولا نتأوّه على من تنكّر لصحبتنا.
وعلى الرغم من ذلك فإنّ المحنة الشديدة والمأساة البليغة هي تلك اللامبالاة في محاسبة النفس ومراقبتها، التي أضحت سمة العصر، لحذف الصفات الرذيلة وإلغاء الطباع اللئيمة ومحو السلوكيات الذميمة، وتبديلها بخصال كريمة وأفعال حميدة وأخلاق فاضلة. 
واختصاراً قد يصطلح على ذلك في علم الأخلاق بالتخلية ثمّ التحلية.
إنّ أزمتنا المعاصرة لا تقتصر على قضيّة فريدة ولا مشكلة واحدة، وإنّما هي متنوعّة الصور ومتعدّدة الأنماط، ولكن أعظمها رزءاً بحسب ظنّي، أزمة المراجعة والمحاسبة لتصحيح اعوجاج الأفكار وتهذيب مساوئ الأخلاق وتعديل السلوك المائل.
ومن أجل إيجاد هذا الواقع ينبغي علينا أن نتسلّح بالجرعات المعنويّة ونتزوّد بالإيمان والأمل، لكي نكافح الضعف والفشل والتردّد والكسل.
ولا التباس ولا ريب أنّ التصميم على ذلك والرغبة الجادّة في استبدال المثبّطات بالمحفّزات يساهم في البناء الصحيح ويوصل إلى الطريق الصائب.
أحبّتي في الله جاهدوا أنفسكم ووساوس شياطينكم بالعزم والإرادة والتوكل، إنّكم مؤمنون بربّ عطوف جوانب رحمته واسعة، ربّ البريّة يحبّ خلقه ويريد لهم الصلاح والعافية، ووعد التائبين منكم والتائبات أن يبدّل سيئاتهم حسنات.
فطوبى ثمّ طوبى لمن سارع إلى تدارك خطيئته وهرع إلى طي صفيحات ملوّثة من دفتر حياته، متطلّعاً لإبقاء بواقي الصفحات ناصعة، وذلك إلى حيث المبادرة بجعل خطواته مستقيمة ومنطلقاته رحمانيّة ومبادئه نبويّة.
واعلموا رعاكم الله بلطفه وعنايته أنّ المبادرة تعني عدم التسويف وتستدعي مخالفة النفس، لأنّ النفس الغافلة تستثقل التكليف وتستهوي التحرّر والانفلات وتستخفّها المغريات، بل هي في معظم الأحايين كما ورد وصفها في مناجاة الشاكين: (إلهي إليك أشكو نفساً بالسوء أمّارة وإلى الخطيئة مبادرة، وبمعاصيك مولعة ولسخطك مُتعرّضة، تسلك بي مسالك المهالك وتجعلني عندك أهون هالك، كثيرة العلل طويلة الأمل، إن مسّها الشرّ تجزع وإن مسّها الخير تمنع، ميّالة إلى اللعب واللهو مملوءة بالغفلة والسهو، تُسرع بي إلى الحوبة وتُسوّفني بالتوبة).
هذا التوصيف المعصومي يُحتّم علينا أن لا نرضخ لتسويفاتها وأمانيها فيما فيه فساد لنا وانحراف، بل يلزم ردعها بمحاسبتها وتطويعها. وقد ورد في المروي، كما في ميزان الحكمة للريشهري:١/ ٦١٩، عن النبيّ صلوات الله وسلامه عليه وآله
أنّه قال: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوها قبل أن تُوزنوا، وتجهّزوا للعرض الأكبر).
وفي هذا المضمار روي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (حقّ على كلّ مسلم يعرفنا أن يعرض عمله في كلّ يوم وليلة على نفسه، فيكون محاسب نفسه، فإن رأى حسنة استزاد منها، وإن رأى سيّئة استغفر منها لئلّا يخزى يوم القيامة).
كما روي عن الإمام الكاظم عليه السلام قال: (ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم، فإن عمل خيراً استزاد الله منه وحمد الله عليه، وإن عمل شيئاً شرّاً استغفر الله وتاب إليه). 
وربّما يُلمح إلى هذه المراقبة القول المأثور في النهج العلوي: (وكلّ يوم لا يعصى الله فيه الله فهو يوم عيد).
هذا، ولا تيئسوا يا كرام من رحمة الله سبحانه ولطفة ومغفرته مهما تعاظمت السيئات ما دام لم تبلغ عتبة الطرد النهائي ومرتبة الإبعاد الأبدي، فإنّ الباب مشرع والمدخل غير موصد والمجال مفتوح.
هدانا الله تبارك وتعالى وإيّاكم لما يحبّ ويرضى بجاه خير سادات الورى رسوله المصطفى وعترته ذوي القربى.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!