كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الأثر النفسي للدعاء

  تتقلب النفس الإنسانية في محطات هذه الحياة تقلبًا عجيبًا، وتدور بها المجريات دوران الرحى، فتطير من فرط السعادة تارة، وتغرق في يمّ التعاسة تارة أخرى، وبين الفرح والحزن، وبين العرض والمرض، تنتابها الحاجات، وتُلجؤها الضرورات، فلا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، تبثه آلامها وآمالها، ومن غيره سبحانه اليد الحانية، والمدبرة لشؤون العالمين، يحب الملحين، ويفتح أبوابه للسائلين، ويجيب دعوة المضطرين.

ففي عصرنا الحديث، عصر الذرة والعلم، العصر الذي جنت فيه الأمة الويلات على نفسها، تتصارع قوى الشر فيأكل القوي الضعيف، وتسيطر فيه البهيمية على الإنسانية، وتتغلب فيه القوى الشهوانية، فيدرك الإنسان كم هو ضعيف، وكم يحتاج لقوى إيمانية تمده إلى السماء، وتعرج بروحه المنهكة إلى الملكوت الأعلى، فتطهرها من أردان الذنوب، ومن قبائح الخصال.
 حين تعصف به رياح البؤس، تدفعه طائعًا، أو مرغمًا، مؤمنًا كان أو كافرًا إلى ركن شديد يرتكز عليه، فينقطع عن الأسباب المادية، ويعود لفطرته السليمة يناجي ربه الواحد الأحد ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ  حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ  دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾
إذن اعتراف العبد بعجزه وضعفه مقدمة أساسية للدعاء، تبدأ معها قصة العلاقة الوثيقة مع الحق سبحانه وتعالى، مستمدًا العون، والقدرة، والغنى من مالكها بشكل مطلق.
فهذه التجربة المعنوية التي يخوضها الإنسان من خلال دعائه الصادق لاحقًا حين ينال الإجابة تجعله أكثر ثقة بالله، وأشد علقة به، لا يحتاج معها إلى موعد أو بواب فبابه مفتوح دائمًا، وهو أقرب لعبده من حبل الوريد.
ومع ذلك فإن الإنسان يحتاج إلى وسيلة ترشده وتهذب نفسه وتجعله أكثر خضوعًا، وخشوعًا أمام جبار السماوات والأرض، تبصره حقيقة نفسه، وتعرفه كيف يعلو بها عن البهيمية إلى أعلى الهمم وأسماها، لتتحول حياته تحولًا عظيمًا، فيكون مؤثرًا نافعًا لمجتمعه. وهنا يبرز دور أئمة الهدى "سلام الله عليهم" وما ورّثوه لنا من زخم روحانيٍّ عميق فما ورد عنهم "صلوات الله عليهم" من الدعوات هو طور سيناء الولاية، فمن شاء أن يلج إلى الوادي الأيمن ويصعد طور سيناء الهداية، فعليه بخلع نعليه، وتطهير ثيابه، وتعلم آداب الدعاء، والاستجابة، حتى يرى العناية الإلهية، فبعد أن يتطهر العبد، ويتصدق، ويشم الطيب، يذهب إلى المسجد فيصلي ركعتين، يحسن ركوعهما وسجودهما وقبل أن يسأل حاجته.
يسم الله ويثني عليه بأسمائه الحسنى، ويذكر محمد وآل محمد، فيصلي عليهم ليرفع الحجب الظلمانية، متوسلًا إلى الله تعالى بأحب الخلق إليه، ثم يقر بذنوبه، ويسأل مسألته عارفًا بربه، مقبلًا عليه، مضطرًا إليه محسنًا الظن به، عاملًا بما تقتضيه المعرفة، مطيعًا لأمر مولاه، منتهيًا عن نواهيه، ويسمي حوائجه برقة قلب باكيًا، أو متباكيًا، ذاكرًا إخوانه المؤمنين في طيات دعائه، متضرعًا، مادًا يديه، مسرًّا بالدعاء، متريثًا، ملحًا، غير قانط من الإجابة.
كما يستحب له التختم بالعقيق أو الفيروز، جاعلًا هذه الآداب دأبه في الرخاء والشدة، حينها يستشعر لذة الأنس بمحضر الله تعالى، فتخشع جوارحه، وتفيض عيناه، وتحلق روحه في عالم الملكوت، تناجي وتدعو لا تروم شيئًا إلا القرب، والوصال، فيكون همّها الأول وهدفها الأسمى ساعة الخلوة مع المحبوب، فهي أفضل الساعات وأقربها إلى النفس، وأحبها إليها.
فترى العبد يعد لها العدة، ويهيأ لها المقدمات، يتفكر فيها خلال ساعات يومه، وذلك لما يستشعره من فيوضات رحيمية تبعث النور والطمأنينة في روحه، وتنتشله من هموم الدنيا وعذاباتها، فكيف بعد هذا التوفيق يبتغي غير الله بدلًا.
وكيف يسكن قلبه ما يكدر عليه صفو الأنس، ويبعده عن لطف الله وعنايت؟! أ يلتذ بالأنس مع أمثاله العبيد المضطرين بعد أن ذاق حلاوة القرب والتمس طعم الوصال؟
إنه بعد أن امتطى صهوة الدعاء وطافت روحه عالم الملكوت لن يكترث لسفاسف الأمور، ولن تعيقه عقدها، بل تراه راضيًا مسلمًا لأمر مولاه، يرى الدنيا مزرعة للآخرة، فتصغر في عينه وتعلو همته، وتصير روحه معلقة بجمال الله وجلاله، مراقبًا نفسه، متفكرًا في سكناته وحركاته، جاعلًا ذلك كله في الله وإلى الله.
   
المصادر:
سورة يونس الآية ٢٢
ميزان الحكمة لمحمد الريشهري
شبكة المعارف الإسلامية
مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي
الصحيفة المهدوية المنتخبة للسيد مرتضى المجتهدي السيستاني
موقع الشيعة آداب الدعاء عند المعصومين

5b6976fe1b927.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!