كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

قرأت لك -٧- (تنبيه الأمة وتنزيه الملة) 

تنبيه_الامة.jpg


                   -١-
 كتاب مهم جدًّا ألفه المحقق الشيخ محمد حسين النائيني "قدس سره" عام 1327هـ/1909م في ظروف كانت تمرُّ بها الأمة الإسلامية، ومن أهمها ما يُعرف آنذاك بـ(المشروطة) ويراد بها ما يتعلق بالثورة الدستورية في إيران، والتي أيَّدها جمع من الأعلام في النجف الأشرف، وعارضها آخرون، وكان من أعمدة المؤيدين وسيِّدهم الآخوند محمد كاظم الخراساني (ت1329هـ/1911م)، والمؤلف النائيني كان من أجلَّة تلاميذ الآخوند والعاملين على تأييد المشروطة، والتي تعني إجمالًا (إنَّ الحاكم يجب أنْ يحكم وفق شروط مدوَّنة في الدستور، وعليه التقيُّد والالتزام بهذه الشروط).
                   -٢-
 وهذا الكتاب هو محاولة من مؤلفه بيان الموقف الديني من ذلك التأييد، مع بيان الرؤية الإسلامية للحكم، وقد تم تقريظ الكتاب بكلمات مهمة من قبل الشيخ الآخوند "قدس سره" في (ربيع الأول 1327ﻫ) بقوله: ((إنَّ رسالة تنبيه الأمة وتنزيه الملة وهي من إفاضات صفوة الفقهاء .... وإنْ شاء الله من خلال تعليمها وتعلُّمها وتفهيمها سيمكن إدراك أنَّ أصول الحركة الدستورية قد ﭐستفيد من الشريعة المحقَّة، وإدارك حقيقة هذه الكلمة المباركة  "بموالاتكم علَّمنا الله معالم ديننا، وأصلح ما كان فسد من دنيانا" أيضًا، إدراك كُلِّ ذلك بعين اليقين إنْ شاء الله تعالى)). 
إنَّ هذا التقريظ على إجماله يؤكد أهمية هذا الكتاب، بل هذه الثورة والثروة العلمية في هذا المجال الذي لم تتم الكتابة فيه كثيرًا، بل الكتابات نادرة آنذاك وما قبله.
                   -٣-
 والكتاب في الأصل هو باللغة الفارسية وتمت طباعته آنذاك، ثم تمت ترجمته وطباعته بطبعات متعددة، ولعل من أهمها طبعة مؤسسة (أحسن الحديث) عام 1419هـ حيث تضمَّنت مدخلًا تاريخيًّا وسياسيًّا مهمًّا لا يستغني الباحث في هذا الشأن عنه بقلم (عبد الكريم آل نجف).
قال المؤلف في بيانه أسباب تأليف الكتاب: ((.... وفي هذه البرهة من الزمن حيث وصل السير التراجعي .... فعلم المسلمون أنَّ الحرية التي منحها الله سبحانه لهم تصطدم مع الرقِّيَّة لفراعنة الأمة، واستأنسوا بالحقوق المشروعة كالمساواة والمشاركة في جميع الأمور مع الحكَّام، فانطلقوا كالسمندر يتخطَّون لهيب النار لخلع طوق العبودية للجبابرة، واسترداد حقوقهم المغصوبة، غير آبهين ببحار النيران، ومعلنين أنَّ إراقة دمائهم الطيبة في سبيل هذا الهدف هو من أعظم ما يوجب السعادة والحياة للشعب، ومؤثرين التضمُّخ بالدم على الحياة الذليلة الأسيرة)).
إنَّ هذه الكلمات هي في الواقع إيقاد جذوة الثورة في نفوس المؤمنين ضد الطغاة، والدعوة إلى حياة العز والكرامة والإباء، وخلع ثوب الذل والهوان، وهذا مما لا يروق للحكَّام الطغاة أبدًا.
                  -٤-
 وقال في بيان أهمية الثورة الدستورية ومواقف الأعلام المؤيدين لها: (إنَّ صدور الأحكام من علماء الإسلام في النجف الأشرف، والتي تنصُّ على وجوب تحقيق هذا المشروع المقدَّس، وتعقيب مشيخة الإسلام في إسطنبول التي تمثل مرجعية أهل السنة بفتوى تنصُّ على براءة الساحة المقدسة للدين الإسلامي الحنيف من الأحكام الجائرة المخالفة لضرورة العقل النزيه والمستقل لحجة ظاهرة قطعت لسان المعيبين .. إلخ)).
ثم يختم "قدس سره" هذه المقدمة الثائرة الرائعة ببيان تكليفه الشرعي كعالم من أعلام الأمة، بل من كبار مجاهديها حيث تشهد لها ساحات العلم والجهاد فيقول: ((وعملًا بمقتضى الحديث الصحيح القائل: "إذا ظهرت البدع فعلى العالم أنْ يظهر علمه، وإلَّا فعليه لعنة الله" .... لهذا فقد آليت على نفسي أداء التكليف، والقيام بهذه الخدمة، وإظهار مخالفة هذه الزندقة والإلحاد مع ضرورة الدين الإسلامي، آملًا أنْ تكون مبادرتي هذه مورد قبول الحق تعالى، وموجبة لسقوط التكليف عن الباقين .. إلخ)).
                -٥-
  وقد قسَّم الكتاب على مقدمة وفصول خمسة وخاتمة كالآتي: 
- مقدمة: شرح حقيقة الاستبداد ودستورية الدولة ..
- الفصل الأول: حقيقة السلطة المجعولة في الدين الإسلامي.
- الفصل الثاني: وظيفة المسلمين السياسية في عصر الغيبة.
- الفصل الثالث: هل يوجد بديل عن الحكم الدستوري.
- الفصل الرابع: الشبهات التي أثيرت حول الحكم الدستوري.
- الفصل الخامس: صحة تدخُّل النواب وبيان وظائفهم وشرائط مشروعيتهم.
- الخاتمة: قوى الاستبداد وطرق مكافحته.
رحمه الله بما قدَّم من مواقف خالدة في سبيل دين الله تعالى وإحياء الشريعة. توفي "قدس سره" في 26 جمادى الأولى 1355هـ/1936م

خادم الثقلين 
 

رأت_لك.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!