صفحة الكاتب : صباح محسن كاظم

الفكر الاسلامي الاصلح في زمن العولمة    (3)    
صباح محسن كاظم

للعولمة تأثيرات كبرى في الثقافات المحلية؛ فالاختراق الثقافي الذي تسعى اليه العولمة لتعميم الأنماط السلوكية والفكرية التي تؤمن بها، والتي تحاول فرضها على الآخرين من اجل تذويب الهويات المحلية، وربطها بالمركز الذي تنطلق منه اجندة العولمة وفق مفاهيم قد تتعارض مع رؤى واطروحات وقيم مجتمع ما. وقد سهّلت الاتصالات الحديثة في التأثير في البنية الثقافية للمجتمعات التي تنساق وراء التقليد الأعمى في الموضة، والازياء، وقصّات الشعر، والأكلات السريعة، والثقافة المسطحة... فلا توجد كوابح لمنع الاختراق العولمي . 
لا ريب من اهمية الثقافة في بناء المجتمع؛ فهي تسهم بشكل فاعل ومؤثر في التغيير الاجتماعي والسياسي، لأن معطيات الثقافة تلقي بظلالها على المشروع السياسي، وتحدد مساراتة وبرامجه. وقد مرّت ثقافتنا العراقية خلال اربعة عقود بمرحلتين؛ الاولى: ثقافة السلطة المؤدلجة التي رسمت ملامحها، وخطـّت افكارها ومتبنياتها على اسس دعائية تعبوية تسهم في صناعة الدكتاتورية، وتمجيد السادية والعنف... فأنتجت سياسة البطش والعنف الذي ادى الى هجرة الأدباء والعقول والنخب الفكرية، ومصادرة الحريات العامة، واسكات الفكر الجاد الملتزم، وقامت بتصفية المشروع الثقافي الوطني الذي تبنّته الأجيال الادبية السابقة، واتخذت اسلوب المثارم البشرية او خلف القضبان... اما من يسهم في مشروع السلطة، فله الحظوة في المؤسسات الإعلامية السلطوية؛ فسادت ثقافة التجهيل والتسطيح، وامسى واصبح الارتزاق بدلا من الابداع الاصيل الذي يتمثل بخصوصية الهوية الوطنية وموروثها الابداعي، وقيم الجمال والنبل والفضيلة التي تلامس واقع المجتمع في كل حقول الابداع الادبي والفني والاعلامي. 
أما الثقافة الأخرى جاءت بعد السقوط الدراماتيكي لسلطة القرية، واطلالة عراق الحرية على نوافذ جديدة في الانفتاح على العالم من خلال الثقافة الوافدة، والسيل الاعلامي والمعلوماتية التي وفرتها العولمة عبر الانترنت والفضاء الحر. ورفع الرقيب السلطوي، وانزياح الفكر المؤدلج عن الابداع المسرحي، والتشكيلي، والكتابي، اصبح المثقف الاسلامي امام عهد جديد ينبغي استثماره لتأسيس وعي جمالي، وقيمي، ومفاهيمي حداثوي، فان الرؤى والطروحات تتكىء على قيم الامة عقائديا وروحيا وتربويا بانساق فكرية لا تحيده العولمة، وتجعله مستهلكا ومتغربا عن تراثه وفكره وقيمه. فالتدفق الهادر والمحموم للاعلام الفضائي الفاضح الخليع ينبغي ان يُحصّن المجتمع منه بخلق احساس وشعور يرتبط بالمثل والمنظومة الاخلاقية، والتربوية في البنية الثقافية للمجتمع. 
فمن يفترض ان العولمة نشأت حديثا فهو واهم، فلها جذرها التاريخي مع تطلعات الاسكندر ومرورا بطموحات الاباطرة والطغاة ومحاولات السلطات على الشعوب والأمم، ومرت بمراحل تاريخية مع تطور الانسان في ميادين الصناعة والتكنلوجيا والفتوحات العلمية. وقد تمظهرت بأشكال متنوعة اقتصادية, عسكرية, ثقافية... فصلة العولمة بالثقافة اثارت اشكاليات وفزعا لدى الاخرين. 
فثمة انساق وقيم ومفاهيم ورؤى لا تتطابق مع الآخر، فهي محاولة لتعميم نمط ثقافي من المركز الى الاطراف يتعارض هذا التسويق مع فلكلور وعادات وتراث وانماط سلوكية لشعب ما, فهي محاولة للاختراق وتذويب الهوية والخصوصية الثقافية، وافراغها من محتواها الروحي والاخلاقي، من خلال اشاعة ثقافة الانحلال والعري والاباحية والمخدرات... فهي تدق اسفين الانفصال بين الذات القيمية التي تربّت على الفضيلة فتنسفها من خلال التناغم بين شهوات الجسد وملذات الانسان التي تؤثر سايكولوجيا في تنشئة الاجيال. 
ان التقدم العولمي دون كوابح وحواجز ومصدات اخلاقية يشتت القيم النبيلة في المجتمع. هنا يبرز دور ثقافة الاصلاح في تأسيس وعي جمالي، وقيمي، وعي روحي، وخلقي، وتربوي، يأتي بثماره بعد حين؛ لان المقدمات الصحيحة تؤدي الى نتائج صحيحة؛ فالمنعطفات التاريخية الحادة قد تزلزل بعض المفاهيم؛ فدور المثقف الإسلامي في تعزيز الثقة بين السلطة والفرد من خلال رفض المفاهيم البالية، ونشر القيم النبيلة، والتأكيد على الاخلاص والنزاهة والصبر... جعل الولاء للوطن، ورفض المصالح الحزبية والقومية. 
فالمرتجى تغليب الهم الشخصي بدلا من الوطني لرقي وثقافة الامة وتجاوز محنتها في عصر العولمة. من هنا الفكر الإسلامي يُجسّد من خلال منتجه الحضاري، وبهذا فأن طروحته الحضارية تعد الأصلح بعد استنفاذ القومية والأممية طروحاتهم التي انتهت بالفشل، وكذلك الفكر اللبرالي الذي يعتمد التوسع، الهيمنة، السيطرة... من هنا يتفق العديد من المفكرين والمستشرقين مع الطرح الإسلامي بالعدالة والحرية واحترام حقوق الانسان.

  

صباح محسن كاظم
 (للدخول لصفحة الكاتب إضغط هنا)

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2021/05/14



كتابة تعليق لموضوع : الفكر الاسلامي الاصلح في زمن العولمة    (3)    
الإسم * :
بريدك الالكتروني :
نص التعليق * :
 



حمل تطبيق (كتابات في الميزان) من Google Play



اعلان هام من قبل موقع كتابات في الميزان

البحث :



أحدث التعليقات كتابة :



  علّق سعدون الموسى ، على أساتذة البحث الخارج في حوزة النجف الأشرف - للكاتب محمد الحسيني القمي : الله يحفظهم ذخرا للمذهب

 
علّق احمد السعداوي الزنكي ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : كلنا سيوف بيد الشيخ عصام الزنكي ابن عمنا وابن السعديه الزنكيه الاسديه

 
علّق سلام السعداوي الاسدي ، على نَوالُ السَّعْداويُّ بينَ كَيْلِ المَدِيحِ وَكَيْلِ الشَّتائم! - للكاتب زعيم الخيرالله : نحن بيت السعداوي الزنكي الاسدي لايوجد ترابط بيننا مع عشيره السعداوي ال زيرج

 
علّق جعفر عبد الكريم الحميدي ، على المرجعية الشيعية هي صمام الأمان  والطريق لأهل البيت - للكاتب علي الزين : لقد ابتليت الأمه الإسلامية في زماننا َكذلك الا زمنه السابقة بكثير ممن يسعون إلى الإهانة إلى الدين او المذهب. َولاغرابة في الأمر. هنالك في كل زمان حاقدين اَو ناقصين. َوبسبب ماهم فيه من نقص او عداء. يوظفون عقولهم لهدم الدين او المذهب.. لعتقادهمان ذلك سوف يؤدي إلى علو منزلتهم عندالناساوالجمهور.. تارة يجهون سهامهم ضد المراجع وتارة ضد الرموز.. حمى الله هذا الدين من كل معتدي.. أحسنت أيها البطل ابا حسين.. وجعلكم الله ممن تعلم العلم ليدافع او من أجل ان يدافع عن هذا الدين العظيم

 
علّق نداء السمناوي ، على لمحة من حياة الامام الحسن المجتبى عليه السلام - للكاتب محمد السمناوي : سيضل ذكرهم شعاع في طريق الباحثين لمناقبهم احسنت النشر

 
علّق علاء المياحي ، على جريمة قتل الوقت. - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : احسنتم سيدتي الفاضلة وبوركت جهودكم ..كنت اتمنى ان اعرفكم واتابعكم ولكن للاسف الان قد علمت وبدأت اقرأ منشوراتكم..دكمتم بصحة وعافية

 
علّق محمد مصطفى كيال ، على الأنوار - للكاتب إيزابيل بنيامين ماما اشوري : {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [النور35] . انه الله والنبي والوصي.

 
علّق منير حجازي ، على الحشد الشعبي يعلن بدء عملية كبرى لتجفيف هورة الزهيري آخر معاقل الإرهاب في حزام بغداد : تخريب البيئة وخلق بيئة للتصحر عملية غير انسانية من قبل دولة المفروض بها تمتلك الامكانيات الجوية الكبيرة التي تقوم بتسهيل مهمة اصطياد الارهابيين والقضاء عليهم . يضاف إلى ذلك ما هو دور القوة النهرية التي تتجول في دجلة والفرات والحبانية وغيرها . ما بالكم امعنتم في ارض العراق وموارده تخريبا . سبب انقطاع الامطار هو عدم وجود المناطق الرطبة الموازية التي تغذي الفضاء بالبخار نتيجة لقلة المياه على الأرض .

 
علّق سلام الجبوري ، على مظلومية الزهراء عليها السلام في مصادر الشيعة الإمامية قراءة تحليلية موجزة - للكاتب السيد زين العابدين الغريفي : السلام عليكم سيدنا نطلب من سماحتكم الاستمرار بهذه البحوث والحلقات لاجل تبصير الناس وتوعيتهم

 
علّق عشيره السعداوي الاسديه ال زنكي ، على نَوالُ السَّعْداويُّ بينَ كَيْلِ المَدِيحِ وَكَيْلِ الشَّتائم! - للكاتب زعيم الخيرالله : عشيره السعداوي في مصر ليس كما هيه بيت السعداوي ال زنكي الاسديه

 
علّق دلشاد الزنكي خانقين ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : السلام عليكم نحن عشيره الزنكي في خانقين واجدادي في السعديه وحاليا متواصلين مع الزنكنه وقبل ايام اتصل علينا الأخ وابن العم ابو سجاد الاسدي من بغداد ويرحب بنا الشيخ محمد لطيف الخيون قلت له ان شيخنا اسمه الشيخ عصام الزنكي قال لي ان الشيخ عصام تابع لنا

 
علّق حسين سعد حمادي ، على صحة الكرخ / معهد الصحة العالي - الكاظمية يعقد الاجتماع الدوري لمجلس المعهد لمناقشة المصادقة على قوائم الدرجات للامتحانات النهائية و خطة القبول للعام الدراسي القادم - للكاتب اعلام صحة الكرخ : كل التوفيق والنجاح الدائم في جميع المجالات نعم الأساتذة نعم الكادر التدريسي نعم الكادر الإداري وحتى الكوادر الأمنية ربي يحفظكم جميعا وفقكم الله لكل خير

 
علّق حامد الزنكي السعداوي ، على العشائر الشيعية في ناحية "السعدية" بمحافظة ديالى العراقية تتصدى لهجوم تنظيم "داعش" الإرهابي : الف اهلا بالبطل النشمي ابن السعديه الشيخ عصام زنكي

 
علّق منير حجازي ، على العدل : 90% من احكام الاعدام لم تنفذ لهه الاسباب : المسجونون في سجن الحوت وغيره ممن حُكم عليه بالاعدام ولم يُنفذ ، هؤلاء المجرمون قاموا بتنفيذ حكم الاعدام بحق نصف مليون مواطن ومن دون رحمة او شقفة او تمييز بين طفل وامرأة وشيخ وشاب. ناهيك عن دمار هائل ومروّع في الممتلكات. المجرم نفذ حكم الاعدام بالشعب . ولكن هذا المجرم لا تزال الدولة تطعمه وتغذيه وتسهر على امنه وحمايته.ويزوره اهله ، ويتقلى المكالمات التلفونية. إنما تم الحكم بالاعدام عليه لاعترافه بجرمه ، فما معنى درجة قطعية ، وتصديق رئاسة الجمهورية الكردية . من عطّل حدا من حدود الله كان شريكا في الجرم.

 
علّق سعد الديواني ، على مظلومية الزهراء عليها السلام في مصادر الشيعة الإمامية قراءة تحليلية موجزة - للكاتب السيد زين العابدين الغريفي : احسنت الرد على الصرخية اعداء الزهراء عليها السلام الله يحفظكم ويحفظ والدكم السيد حميد المقدس الغريفي .

الكتّاب :

صفحة الكاتب : مؤسسة الدليل للدراسات والبحوث
صفحة الكاتب :
  مؤسسة الدليل للدراسات والبحوث


للإطلاع على كافة الكتّاب إضغط هنا

الملفات :

مقالات مهمة :



 إنسانية الإمام السيستاني

 بعد إحراجهم بكشف عصيانها وخيانتهم للشعب: المرجعية الدينية العليا تـُحرج الحكومة بمخالفة كلام المعصومين.. والعاصفة تقترب!!!

 كلام موجه الى العقلاء من ابناء شعبي ( 1 )

 حقيقة الادعياء .. متمرجعون وسفراء

 قراءة في خطبة المرجعية : هل اقترب أَجلُ الحكومةِ الحالية؟!

 خطر البترية على بعض اتباع المرجعية قراءة في تاثيرات الادعياء على اتباع العلماء

 إلى دعاة المرجعية العربية العراقية ..مع كل الاحترام

 مهزلة بيان الصرخي حول سوريا

 قراءة في خطبة الجمعة ( 4 / رمضان/ 1437هـ الموافق 10/6/2016 )

 المؤسسة الدينية بين الواقع والافتراء : سلسلة مقالات للشيخ محمد مهدي الاصفي ردا على حسن الكشميري وكتابيه (جولة في دهاليز مظلمة) و(محنة الهروب من الواقع)

 الى الحميداوي ( لانتوقع منكم غير الفتنة )

 السيستاني .. رسالة مهدوية عاجلة

 من عطاء المرجعية العليا

 قراءة في فتوى الدفاع المقدس وتحصين فكر الأمة

 فتوى السيد السيستاني بالجهاد الكفائي وصداها في الصحافة العالمية

 ما هو رأي أستاذ فقهاء النجف وقم المشرّفتَين السيد الخوئي بمن غصب الخلافة ؟

 مواقف شديدة الحساسية/٢ "بانوراما" الحشد..

أحدث مقالات الكتّاب :





 لنشر مقالاتكم يمكنكم مراسلتنا على [email protected]

تم تأسيس الموقع بتاريخ 1/4/2010 © محمد البغدادي 

 لا تتحمل الإدارة مسؤولية ما ينشر في الموقع من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

  Designed , Hosted & Programmed By : King 4 Host . Net