صدر، عن دار العارف للمطبوعات في بيروت، الجزء الثاني من كتاب (الدكتور علي البهادلي.. بحوث ومقالات من قطاف الغربة ونبض السنين)، بتوثيق وتصنيف ومراجعة شقيقه الوفي الأستاذ الدكتور محمد باقر البهادلي، الذي بذل جهودًا كبيرة في إظهار كتابات الرّاحل علي البهادلي.
ويصف المؤلّف الجزء الثاني، الذي جاء بسبعمائة وثلاثين صفحة من القطع الكبير، بأنّه امتدادٌ "لمشروع بدأ في الجزء الأول، وذلك لقراءة المسار المعرفي للدكتور البهادليّ، والتجربة الوجدانية التي تبلورت بفعل التراكم الزمني، وما أنتجته من تصورات راسخة حول واقع الغربة وتمثّلاتها". (من المقدّمة، ص٩).
ويرى البهادلي أنّ هذا "النتاج ليس مجرّد بحوث جامدة أو مقالات معزولة، بل هي شهادة تجربة حملت هَمَّ الكلمة ومسؤولية الفكر، وجعلت من الكتابة مساحة للتأمّل والمراجعة والإسهام في إثراء الوعي العام". (من المقدّمة، ص٩).
وبيّن المؤلّف أنّ ترتيب موضوعات هذا الجزء جرى على غرار منهج الجزء الأول، لكنّه في ستّة فصول مسبوقة بمقدّمة، ومختومة بملحق يضم عددًا من الوثائق والصور، وملحق آخر خُصّص للمقالات المنشورة باللغة الإنجليزية، وذلك في إطار منهجي يراعي اتساق الموضوعات وتكاملها.
عالجَ الفصل الأول موضوعات تتصل بالنجف الأشرف، والمرجعية الدينية، والحوزة العلمية. وقد شكّل البحث في النجف محور رسالة الراحل البهادلي للماجستير، التي طُبعت لاحقًا، مستقلّة، عن دار الزهراء في بيروت.
وخُصصَ الفصل الثاني للتاريخ والفلسفة والسياسة. وكان الراحل البهادلي قد شارك في اللجنة المعنيّة بتدوين موسوعة تاريخ النجف الأشرف إلى جانب نخبة من المؤرخين والباحثين، وكانت ملاحظاته العلمية محلَّ ثقة واعتماد واسترشاد.
واهتم الفصل الثالث بالأدب والمجتمع، وقد اختيرت نماذج من شعره في موضوعات دينية، وأخويّة رثائية، ووجدانية، وسياسية، عكست عوالم الغربة عنده، وبيّنت تنوّع كتاباته.
أما الفصل الرابع فقد خُصص لقراءات في الكتب والرسائل الجامعية، إذ تناول، رحمه الله، عددًا من المؤلفات الفلسفية والقانونية والسياسية والدينية والأدبية، وقدّمها بأسلوب تحليلي نقدي، يكشف أهميتها، غير مغفِلٍ ما يعتريها من إشكالات أو مواطن نظر.
وجاء الفصل الخامس ليسلط الضوء على المنتدى الثقافي العراقي في لبنان، الذي أسسه الدكتور علي البهادلي بجهد مميز، مع نخبة من المثقفين، وقد عُرضَت طبيعة عمل المنتدى كما وردت في بيان التأسيس، وبعض المقابلات الصحفية التي أجريت مع البهادلي بصفته رئيسًا ومؤسسًا.
أما الفصل السادس، الأخير، فقد حفل بشهادات العلماء والمفكرين والمثقفين الذين عرفوا الدكتور علي البهادلي عن قرب، علمًا وأدبًا وخُلقًا وعملًا.
وزُيّن الكتاب بمجموعة من الملحقات والصور لبعض كتاباته المنشورة، ومراسلاته، وصِلاته العلمية، وصور تعبّر عن طبيعة الحياة التي عاشها في اغتراب طويل، فيه ما فيه من هموم وانشغالات بالفكر والسياسة والمجتمع ومختلف شؤون الأدب والثقافة.
وضمّت خاتمة الكتاب مجموعة من المقالات التي كتبها الراحل البهادلي باللغة الإنجليزية عن النجف، وعن الإمام علي عليه السلام، وعن مرقد الإمامين الكاظمين عليهما السلام.
ولعل من الجدير بالذكر أن ننقل رأي الملف الدكتور محمد باقر البهادلي، بأنّ عملية الاشتغال على هذا المشروع قد أفضت إلى الكشف عن مادة معرفيّة وأدبية بالغة الأهميّة، تمثّلت في عدد كبير من الرسائل التي دارت بين الدكتور علي البهادلي وإخوانه وأصدقائه في بلدان شتّى. وأكّد المؤلف أن هذه المراسلات لم تكن مجرّد تبادلٍ للشأن اليومي أو تداولٍ للأخبار، بل جاءت نصوصًا مكتملة العناصر، نابضةً بلغة عالية، ومشحونةً بطاقات بلاغيّة تتقاطع فيها الاستعارات العميقة مع دقّة العبارة وانسياب الأسلوب، مبيّنًا أنّ ما يزيد من قيمة هذه المراسلات أنّها تُبرز جانبًا خفيًّا من شخصيّة الدكتور البهادلي، الذي ربما لا تظهره البحوث والدراسات ذات الطابع العلمي أو الفكري أو الثقافي. فهذا الإرث من الكتابات لا يعد وثيقة شخصية فحسب، بل هو سجلّ أدبي وفكري، يعكس ما تختزنه التجربة الإنسانية في الغربة من توتّرٍ وحنين، وما تنطوي عليه من رؤًى وتطلعات.
من جهتي، فقد زوّدت الصديق الدكتور محمد باقر البهادلي، بصور عن المراسلات التي جرت بيني وبين صديقي الحميم الراحل الدكتور علي البهادلي بين خلال الأعوام من ١٩٩٧ إلى ٢٠٠١، منذ اشتغاله، أي الدكتور محمد باقر، على جمع مواد الكتاب بجزأيه. كذلك، أرسلت له ما نُشر من مقالات وكتابات للراحل البهادلي في تلك الفترة.
وكان الجزء الأول قد ضمّ قراءة الراحل البهادلي في مجموعتي الشعرية (تأشيرة دخول إلى خارج العُمر)، الصادرة عام ٢٠٠٠ عن دار أزمنة في عَمّان، وقُد نشرت تلك القراءة، في حياته، في مجلّة القصب. وتضمّن الجزء الثاني مقالة لي عن علاقتي بصديقي الراحل علي البهادلي، بيّنتُ فيها ملامح من شخصيّته وما دار بيننا من مراسلات.
✦ كتابات في الميزان ✦
يمثل الجزء الثاني من كتاب «الدكتور علي البهادلي.. بحوث ومقالات من قطاف الغربة ونبض السنين» وفاءً علميًا وإنسانيًا لمفكر ظلّ يحمل همّ الوطن والثقافة في غربته الطويلة. وتكشف بحوثه ومقالاته ورسائله عن شخصية متعددة الاهتمامات، جمعت التاريخ والفلسفة والأدب والسياسة بروح نقدية رصينة. وقد نجح الدكتور محمد باقر البهادلي في إنقاذ هذا الإرث من التشتت، وتقديمه سجلًا معرفيًا ووجدانيًا يحفظ صوت الراحل وملامح تجربته للأجيال.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!