الإمام الحادي عشر من أئمة أهل البيت عليهم السلام، نشأ وتربى في ظل أبيه الذي فاق العصر علمًا وزهدًا. كان الإمام أستاذ العلماء، وقدوة العابدين، وزعيم المعارضة السياسية والعقائدية. فرضت عليه السلطة العباسية الإقامة الجبرية عليه السلام، وأجبرته على الحضور يومين من كل أسبوع إلى دار الخلافة.
وُلد في المدينة المنورة في ربيع الآخر سنة 233هـ. لُقّب الإمام بالعسكري نسبةً إلى منطقة عسكر في سامراء. دار حول إمامته اختلاف وشك؛ فريق ادّعى بإمامة السيد محمد بن الإمام علي الهادي عليهما السلام، فأظهر عليه السلام زيف أقاويلهم ودحض بدعهم.
واستُشهد في عهد المعتمد العباسي، ويذهب أغلب المؤرخين إلى أن المعتمد هو الذي اغتاله بالسم يوم الجمعة، الثامن من شهر ربيع الأول سنة 260هـ. شهد عصره الكثير من الثورات، منها الحركة العلوية المسلحة ضد الحكم العباسي، نتيجة الاضطهاد من قبل العباسيين وحرمانهم من العطاء، ولأجل الحصول على حقوقهم.
كان علم الإمام الحسن العسكري عليه السلام جامعًا لكل العلوم، من التفسير والفقه وعلم الكلام والحديث، وكان علمه إلهيًّا، فضلًا عن إلمامه ومعرفته بجميع اللغات.
كانت مواقفه امتدادًا لمواقف أبيه عليه السلام، إضافةً إلى تمهيده لغيبة ولده الإمام المهدي المنتظر عليه السلام. كلما ضعفت الحكومة في شأن قيادة الدولة، تصلبت وصلّبت موقفها مع الإمام الحسن العسكري عليه السلام، وكأنها تحمّله نتيجة ضعفها، أو تخاف منه كي لا يستثمر هذا الضعف؛ لذلك تضاعف إجراءاتها التعسفية في مواجهة الإمام وجماعته ومؤيديه، خشيةً منه ومن حركته الفاعلة في الأمة وتأثيره الكبير فيها.
إضافةً إلى خطر أكبر من الحكومة، هو خطر النواصب، وقفوا ضد أطروحة الأئمة عليهم السلام. النواصب يعلمون أن أهل البيت هم ورثة النبي الحقيقيون، لا يستطيعون أن يسيطروا على السلطة إلا بإبعاد أهل البيت عليهم السلام.
عاصر الإمام العسكري ثلاثة من خلفاء الدولة العباسية: خلافة المعتز الذي هلك على أيدي الأتراك، ليخلفه المهدي العباسي الذي اتخذ مظهر الورع ولم يفلح، فقتله الأتراك، وجاء بعده المعتمد.
جرت في عهده ثورة الزنج التي بدأت في البصرة وامتدت إلى عبدان والأهواز. صاحبت الحركة قتل ونهب وإحراق، وتم القضاء عليها بعدما كلفت الدولة كثيرًا. وكان يدّعي قائد الزنج أنه علي بن محمد وينتسب إلى الإمام علي عليه السلام، فقال عنه الإمام الحسن العسكري: «صاحب الزنج ليس منا أهل البيت».
وحركات أخرى، مثل حركة ابن الصوفي في مصر، وإبراهيم بن محمد قاتل جيش الدولة، وكان بقيادة ابن طولون، ودارت حرب ابن الصوفي، وأُلقي القبض عليه وأُرسل إلى ابن طولون. وثورة علي بن زيد، أرسل إليه المعتمد الشاه بن مكيال، وانهزم الشاه، ثم وجّه المعتمد إليه كيجور التركي، فانتصر على جيش علي بن زيد. وثورة الحسين بن علي بن زيد العلوي على جرجان. وخرج مساور الخارجي ومعه جيش من الخوارج، قاتلهم الحسن بن أيوب بن أحمد العدوي.
ومع كل مشاكل الدولة العباسية، كان المعتمد يجاهد في التخلص من الإمام العسكري عليه السلام.
إحدى القصص المهمة التي يرويها بعض المؤرخين: سلّم المعتمد الإمام الحسن العسكري إلى يحيى بن قتيبة، فكان يضيّق على الإمام، ورمى معه في السجن مجموعةً من السباع لتقتل الإمام وتفترسه. كانت امرأة يحيى تحذره: «إياك أن تمس الإمام بسوء، اتقِ الله، فإني أخاف عليك منه».
أتاه في اليوم الثاني، فوجده يصلي والأسود حوله، واستنكرت الأسود عمل مدربها وخيانته لها فافترسته. لهذا خاف المعتمد وحاول أن يغير موقفه ظاهريًّا، وقدم الاعتذار رسميًّا للإمام إثر هذه الكرامة الإلهية. فكان المعتمد يمارس إجراءات قمعية ضد الشيعة، ويؤكد الرواة أن العلة التي مات فيها الإمام عليه السلام كانت إثر سم سقاه له المعتمد العباسي.
بعد ولادته المباركة بعامين، 234هـ، فهل يُعقل أنه رجل واحد يرعب دولةً وحكومةً وأحزابًا، تفرض عليه الإقامة الجبرية، وتُوضع عليه العيون، ويُفتَّش الدار بين الحين والحين، ويحبسونه بين فترة وأخرى؟ هذا الأمر يبين أن هناك دورًا مهمًّا للإمام الحسن العسكري لم يذكره التاريخ، جعل السلطة ترتعب من مواقفه الجهادية.
شهادة أحد أبناء السلطة يقول: «ما رأيت ولا عرفت في سامراء مثل الحسن بن علي بن الرضا عليهم السلام، ولا سمعت بمثله من أخلاق وسلوك وعفة نفس». هذه شهادة الوزير عبد الله بن يحيى بن خاقان، كان من أشد المبغضين لأهل البيت عليهم السلام.
وكذلك الوزير أبو العلاء صاعد بن مخلد، رجل نصراني أسلم على يدي الإمام الحسن العسكري عليه السلام، وأصبح من خيرة الموالين. وكذلك السجان علي بن أوتاش، كان شديد العداوة والبغض لأهل البيت عليهم السلام، وصل الأمر به إلى أن يضع خديه للإمام الحسن العسكري ويتوب.
قصص كثيرة تدل على قوة شخصية الإمام عليه السلام وهيبته، وتمكنه من قيادة الأمة روحيًّا، وإن اختلفت معه بالدين.
✦ كتابات في الميزان ✦
يتناول الكاتب سيرة الإمام الحسن العسكري من خلال علمه ومواقفه والقيود التي فرضتها عليه السلطة العباسية. ويربط المقال بين الاضطرابات السياسية في عصره وتشديد الرقابة عليه، مع عرض روايات عن تأثيره في بعض مخالفيه وسجّانيه. ويبرز حضوره الروحي وتمهيده لغيبة الإمام المهدي بوصفهما محورين في هذه القراءة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!