المعيار المركزي في تصنيف علاقة الفرد الشيعي باجتماعه الديني هو الفاعلية في الاجتماع الشيعي: هل ينتج الفرد عناصر القوة؟ هل يتفاعل معها ويحملها؟ هل يبقى خارجها؟ هل يستنزفها؟ أم يعيد توظيف إمكاناته في مواجهتها؟ ومن هذه الأسئلة تتشكل الأنماط الخمسة:
1- الشيعي المتكامل؛ صانع النهضة وقائدها
يمثل «الشيعي المتكامل» المستوى الأعلى في سلّم الفاعلية الاجتماعية، وليس المقصود بالتكامل هنا كمالًا إيمانيًّا أو أخلاقيًّا أو شخصيًّا؛ لأن هذه أحكام لا تدخل في موضوعنا، وإنما نعني التكامل الوظيفي في العلاقة بالاجتماع الشيعي.
فالشيعي المتكامل هو الذي لا يكتفي بالعيش داخل النظام الاجتماعي الديني، ولا بمجرد الاستفادة من عناصر قوته، وإنما يتحول إلى منتج لهذه العناصر، ومجدّد لها، وحامٍ لمساراتها.
ومن أبرز مصاديقه قادة النهضة الشيعية من فقهاء مجددين، ومفكرين مصلحين، وعلماء وقادة اجتماعيين وسياسيين، وأصحاب مشاريع ومؤسسات استطاعوا، في مراحل مختلفة، أن يضيفوا إلى الاجتماع الشيعي شيئًا لم يكن موجودًا من قبل، أو أن يطوروا شيئًا موجودًا، أو يحموا عنصرًا من عناصر القوة من الانهيار، أو يعيدوا صياغته بما يجعله قادرًا على مواجهة تحولات العصر.
2- الشيعي الحقيقي؛ صحة الانتماء وصدق التفاعل
مفردة «الحقيقي» تنتمي إلى الحقيقة الاجتماعية، وليست حكمًا عقديًّا. والمقصود هو الشيعي الذي يصدق انتماؤه الاجتماعي من خلال تفاعله الإيجابي مع واقعه، فيتحول التشيع لديه من بطاقة هوية إلى وعي ومسؤولية ومشاركة.
وهذه الفئة تمثل الكتلة الأوسع التي تحمل أي مشروع نهضوي؛ لأن قادة النهضة، مهما بلغوا من العبقرية والإخلاص والقدرة، لا يستطيعون صناعة التاريخ منفردين، بل يحتاجون إلى بيئة اجتماعية تستوعب المشروع وتحتضنه وتعيد إنتاجه.
ويمكن تقسيم الفاعلية الإيجابية إلى مستويين كبيرين: الإنتاج والتلقي المنتج. فليس كل إنسان مطالبًا بإنتاج نظرية أو تأسيس مؤسسة، لكن بإمكانه أن يكون مستهلكًا واعيًا لمنتجات النهضة، ومروّجًا لها، وداعمًا لها.
وحتى كلمة «مستهلك» هنا لا تحمل معنًى سلبيًّا؛ لأن استهلاك المعرفة النافعة، ودعم المؤسسة الناجحة، وقراءة الكتاب، وحضور النشاط الثقافي، والمساهمة في المشروع الاجتماعي، والتبرع للمؤسسة الخيرية الموثوقة، وانتخاب الكفوء، ونشر الوعي، والدفاع عن الحقوق، كلها حلقات ضرورية في دورة الإنتاج الاجتماعي.
فالكتاب الذي لا يُقرأ يموت، والفكرة التي لا يتداولها الناس تبقى في عقل صاحبها، والمؤسسة التي لا يحتضنها المجتمع تنهار، والمصلح الذي لا يجد جمهورًا يتحول مشروعه إلى وثيقة تاريخية.
ومن هنا، فإن «الشيعي الحقيقي» هو الحاضنة البشرية للنهضة، ويتمثل في المثقفين والإعلاميين والأكاديميين والمقاومين وشيوخ العشائر والمهنيين والمسؤولين السياسيين والحزبيين، ممن يزرعون أثرهم الإيجابي الفاعل في كل زاوية من زوايا النظام الاجتماعي الديني الشيعي، ويتحملون مسؤولية صعوده وإزالة العقبات من طريقه.
3- الشيعي المفقود؛ الكتلة الديموغرافية المعطلة
«الشيعي المفقود» موجود عدديًّا، لكنه غير موجود وظيفيًّا؛ فهو جزء من الإحصاء السكاني، لكنه ليس جزءًا فاعلًا من دورة إنتاج القوة الاجتماعية.
وقد يكون مؤمنًا بالتشيع ومحبًّا لأهل البيت، وقد يمارس بعض الشعائر، لكنه يعيش منفصلًا عن قضايا الاجتماع الشيعي، فلا يشارك في بنائه، ولا يدعم مؤسساته النافعة، ولا يهتم بمشكلاته، ولا يضيف إلى معرفته أو اقتصاده أو ثقافته أو حضوره السياسي، وفي الوقت نفسه لا يمارس نشاطًا مضادًّا له. إنه الغياب بلا عداء.
وهذه الفئة قد تكون، في بعض المجتمعات، أوسع بكثير مما يبدو؛ لأن الإحصاءات تحصي الانتماء، لكنها لا تقيس الفاعلية. وقد يكون مجتمع ما كبيرًا من حيث عدد أفراده، لكنه أقل قوة من مجتمع أصغر؛ لأن نسبة الفاعلين في الثاني أعلى بكثير.
فالعدد مادة أولية للقوة، وليس القوة نفسها. والانتقال من العدد إلى القوة يحتاج إلى المعرفة والتنظيم والثقة والمؤسسات والتعاون والوعي والمشاركة.
ولهذا، فإن «المفقود» هو طاقة ينبغي استعادتها. وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن الخطاب التقليدي قد يلوم المنكفئ من دون أن يسأل: لماذا انكفأ؟ فربما انسحب من الساحة لأنه لم يجد مؤسسة تستوعبه، أو لأنه شاهد فسادًا باسم الدين، أو لأنه فقد ثقته بالسياسيين، أو لأن الخطاب الديني لم يعد يجيب عن أسئلته، أو لأن النزاعات الداخلية أصابته بالاشمئزاز، أو لأنه نشأ في بيئة فردانية حديثة ترى كل انتماء جمعي قيدًا على الحرية الشخصية. وقد يكون سبب الغياب ضغط الحياة والعمل والأسرة.
وبالتالي، فإن التعامل العلمي مع المفقود يبدأ من فهم أسباب الفقدان، لا من توجيه الاتهامات إليه. والاجتماع الناجح هو الذي يمتلك القدرة على استعادة أبنائه، وعدم الاكتفاء بإحصاء الغائبين عنه.
4- الشيعي السلبي؛ المستهلك لرأس المال الاجتماعي
إذا كان المفقود يمثل قوة معطلة، فإن الشيعي السلبي يمثل قوة مستنزِفة، وهذا فارق جوهري.
فالسلبي موجود داخل الاجتماع ويتفاعل معه، لكن تفاعله يُنتج آثارًا ضارة تعمل على توسيع الانقسامات، وهدم الثقة، وإشاعة اليأس، والمشاركة في الفساد، وتعميم الأخطاء، الأمر الذي يحوّل الخلاف إلى خصومة، ويستهلك طاقة المجتمع في صراعات جانبية.
وليس بالضرورة أن يكون الشيعي السلبي عدوًّا للمذهب واجتماع المذهب؛ بل قد يكون شديد الحماس المذهبي، لكن حماسه نفسه يتحول أحيانًا إلى مصدر للضرر حين يفتقر إلى الوعي. فالطائفية العدوانية، مثلًا، لا تخدم الاجتماع الشيعي، بل تضعه في صراع دائم مع محيطه، وتنتج ضده ردود فعل معادية. والتعصب الحزبي، الذي يحوّل المختلف الشيعي إلى عدو، يفتت المجتمع من الداخل. والدفاع الأعمى عن الفاسد لأنه «منّا» يهدم الثقة الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع.
ومن هنا، فإن السلبية ليست دائمًا ناتجة عن ضعف الانتماء؛ فقد تنتج أحيانًا عن انتماء غير رشيد، وهذه من أكثر المفارقات خطورة. فقد يظن الإنسان أنه يدافع عن الشيعة بينما يسيء إليهم، أو أنه يحمي المذهب بينما يقدم عنه صورة منفّرة، أو أنه يدافع عن مؤسسة بينما يؤدي دفاعه غير العقلاني إلى زيادة الشكوك حولها. ولهذا، فإن قوة الاجتماع لا تحتاج فقط إلى الولاء، بل تحتاج إلى وعي الولاء.
وهنا ينبغي وضع حد فاصل واضح بين «الشيعي السلبي» و«الشيعي الناقد»؛ لأن أي خلط بينهما سيحوّل رد الفعل تجاه النقد إلى عملية إقصاء للناقد.
فليس كل من ينتقد أداء منظومة المرجعية أو الحوزة أو إيران أو الأحزاب والحكومات والمؤسسات الشيعية هو شيعي سلبي؛ فقد يكون النقد أحد أهم أشكال الفاعلية الإيجابية؛ لأن الاجتماع الديني الشيعي الذي لا ينتقد نفسه يتكلس، والمؤسسة التي لا تسمع اعتراضات جمهورها تفقد القدرة على التصحيح، والقيادة التي تحيط نفسها بالمصفقين تفقد تدريجيًّا قدرتها على رؤية الواقع.
والفرق بين الناقد الإصلاحي والناقد السلبي هو أن الأول يريد تقوية الشيء الذي ينتقده، ويميّز بين أصل المؤسسة وأخطائها، وبين الشخص والموقع، وبين الحالة الجزئية والظاهرة العامة، وبين المعلومة والشائعة، كما أنه يضع أخطاءه وأخطاء جماعته تحت المجهر نفسه الذي يضع تحته أخطاء خصومها.
أما الثاني، السلبي، فهو يريد هدم الشيء الذي ينتقده وإسقاط قيمته، وهو ما يجعله يبحث عن كل ما يدعمه في خلق الصورة السوداء المسبقة التي يريد تعميمها. ومن هنا، فإن القدرة على حماية حرية النقد الداخلي ليست ضعفًا في الاجتماع الشيعي، بل إحدى علامات نضجه.
5- الشيعي المنسلخ؛ حين تنفصل الهوية عن الموقع
«الشيعي المنسلخ» ليس بالضرورة شخصًا ترك المذهب؛ إذ قد يبقى شيعيًّا في تعريفه لنفسه، وفي أسرته وبعض ممارساته، لكنه ينتقل، من الناحية الاجتماعية والسياسية والثقافية، إلى موقع العداء للاجتماع المذهبي الذي ينتمي إليه.
والانسلاخ هنا انسلاخ اجتماعي وظيفي، وليس حكمًا فقهيًّا. ويظهر عندما لا يعود الفرد يكتفي بنقد الأخطاء أو معارضة السياسات، وإنما يتحول إلى حامل مستمر لسرديات القوى التي تستهدف الوجود الشيعي نفسه، أو يبرر انتهاك حقوق الشيعة، أو يردد، من دون تمحيص، المقولات التي تهدف إلى تجريدهم من حقهم في التنظيم والتمثيل والمشاركة، أو يوظف معرفته الداخلية بالمجتمع في مشروعات تستهدف إضعافه.
وتزداد خطورة هذا النمط بسبب شرعية الداخل التي يستطيع توظيفها؛ فالخصم الخارجي، حين يهاجم جماعة، يكون موقعه معروفًا، أما المنسلخ فيستطيع أن يقول: «أنا منكم»، ثم يمنح السردية المعادية شهادة من داخل الجماعة.
ويبدأ الانسلاخ حين يتحول الاختلاف من نقد الخيارات إلى معاداة الوجود والحقوق، وحين يصبح الاصطفاف السياسي والمالي والاستخباري والإعلامي مع خصوم الشيعة وأعدائهم اصطفافًا واعيًا ثابتًا، ويكون استهداف الشيعة وعناصر قوتهم نمطًا متكررًا مستقرًّا، وليس مجرد موقف حيال قضية بعينها.
تتمة المقال في القسم اللاحق
❖ كتابات في الميزان ❖
يقدم المقال تصنيفًا وظيفيًّا لعلاقة الفرد بالاجتماع الشيعي، مستندًا إلى مقدار إسهامه في بناء القوة الاجتماعية أو تعطيلها واستنزافها. ويمنح مساحة مهمة للتمييز بين النقد الإصلاحي والسلوك الهدّام، محذرًا من تحويل الاختلاف إلى وسيلة لإقصاء الناقد. وتبرز أهمية التصنيف في دعوته إلى فهم أسباب الانكفاء واستعادة الطاقات المعطلة، مع ضرورة التعامل معه بوصفه اجتهادًا تحليليًّا قابلًا للنقاش، لا أحكامًا عقدية نهائية على الأفراد.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!