لم يكن العراق يومًا مجرد نقطة عابرة على خريطة الجغرافيا السياسية، بل كان، عبر التاريخ، رقمًا صعبًا ومحورًا ترتكز عليه التوازنات الإقليمية والدولية.
من العهد البابلي ومعاهدات الشرق القديم، وصولًا إلى تأسيس الدولة العراقية الحديثة، كانت بغداد تُصدّر إلى العالم مدرسة دبلوماسية رصينة، يتتلمذ فيها رجال دولة يتقنون لغة الحوار، ويصوغون توازنات القوى بكثير من الحذاقة والبروتوكول الصارم.
ولكن، كما تعكس السفارات والقنصليات صورة البلد في الخارج، تمامًا كمرآة صافية تنقل التفاصيل من دون رتوش، فإن المرآة العراقية اليوم تبدو مخدوشة، والوجه المشرق لبلد الحضارات بات محجوبًا خلف ضبابية المشهد السياسي الحالي.
تشريح الأزمة: كارثة المحاصصة واغتيال الكفاءة
قبل الولوج إلى صياغة الحلول، يفرض علينا المنطق التفكيكي تشخيص مكامن الوهن والتقصير البنيوي الذي أصاب السلك الدبلوماسي العراقي.
إن الكارثة الكبرى التي حلّت بـ«الخارجية العراقية» تكمن في تسرّب الفيروس السياسي العراقي المعاصر ـ ونعني به المحاصصة الحزبية والطائفية ـ إلى أروقة معهد الخدمة الخارجية ومواقع صناعة القرار.
لقد تحولت البعثات الدبلوماسية، في كثير من الأحيان، إلى غنائم ومكافآت ترضية توزعها الكتل السياسية على محاسيبها.
وكانت النتيجة الحتمية لهذا التقصير صعود شخصيات «هزيلة» إلى الواجهة الدولية؛ شخصيات افتقرت إلى أبسط مقومات الفاعلية الدبلوماسية. لقد شهدت المحافل الدولية مواقف مخجلة لشخصيات لا تتقن اللغة الدبلوماسية (Diplomatic Language)، وتجهل أبجديات البروتوكول (Protocol) والاتصال الدولي، بل تبدو غريبة تمامًا عن قواعد العلاقات الدبلوماسية وأعرافها المستقرة، التي دوّنت اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية جانبًا منها.
إن جلوس «دبلوماسي الصدفة» في قاعات الأمم المتحدة أو في عواصم القرار العالمي، وهو عاجز عن صياغة موقف رصين، لا يمثل قصورًا شخصيًّا فحسب، بل يمثل تشويهًا مباشرًا للهوية الحضارية للعراق وللمنظومة التي تدير سياسة البلد.
المقترحات المدروسة: العلاج يبدأ من «الصفر» البنيوي
إن معالجة هذا الترهل لا يمكن أن تتم عبر مساحيق تجميلية خارجية، بل تقتضي هدم الآليات القديمة وبدء العلاج من نقطة الصفر؛ أي من داخل أروقة الوزارة ذاتها وحجراتها الإدارية في بغداد، وصولًا إلى الخارج، عبر خريطة الطريق الاستراتيجية الآتية:
تطهير أروقة الوزارة: نقطة الصفر
تبدأ الهيكلة من الداخل عبر مراجعة شاملة لملفات موظفي ديوان الوزارة.
يجب إيقاف التنسيب الحزبي ونقل الموظفين من وزارات أخرى لغرض الإيفاد، وتدشين عملية غربلة إدارية واسعة داخل المركز؛ لفصل العمل الدبلوماسي الفني عن البيروقراطية الإدارية التقليدية.
استبعاد المحاصصة كليًّا من معايير الاختيار
وضع «جدار برلين» تشريعي وتنفيذي يفصل بين الرغبات السياسية للأحزاب ومعايير التعيين.
ويجب تجريم التدخل الحزبي في ترشيح الأسماء، والاعتماد حصريًّا على الكفاءة المهنية، والمسيرة الأكاديمية، والسمعة الوطنية، بوصفها شروطًا لا تقبل المساومة.
عصرنة الاختيارات عبر «حصانة معهد الخدمة الخارجية»
جعل «معهد الخدمة الخارجية» المرشح والمنفذ الحصري الصارم لصناعة الدبلوماسيين.
وتخضع عملية الاختيار لاختبارات أكثر عمقًا تشمل الجاهزية النفسية، والثقافة الموسوعية، وإتقان اللغات الحية، وفنون إدارة الأزمات والتفاوض تحت الضغط.
تفعيل مبدأ «رجل الدولة المناسب»
إعادة النظر في توزيع درجات السفراء فوق العادة والمفوضين (Ambassadors Extraordinary and Plenipotentiary)، وحظر منح هذه الدرجة الرفيعة بوصفها تعيينًا سياسيًّا من خارج ملاك الوزارة، إلا لشخصيات وطنية فذة تمتلك ثقلًا معرفيًّا وتاريخيًّا يخدم مصالح العراق العليا.
نظام التقييم والاستدعاء الدوري
تفعيل دور التفتيش الدبلوماسي في مراقبة أداء المستشارين (Counsellors)، والسكرتيرين الأول والثاني والثالث (First, Second, and Third Secretaries)، والملحقين الفنيين (Attachés).
إن أي بعثة تفشل في عكس الصورة الحضارية لبلدها، أو تعجز عن حماية مصالحه الجيوسياسية، يجب إعفاء طاقمها فورًا واستدعاؤه إلى مركز الوزارة.
إن العراق لا ينقصه التاريخ، ولا تنقصه الكفاءات المبدعة المغيّبة في زوايا النسيان.
إن ما يحتاجه العراق اليوم هو الإرادة السياسية الشجاعة لكسر مرآة المحاصصة المشوهة، والبدء الفوري من «الصفر الإداري» لبناء مؤسسة صلبة تُظهر وجه بغداد الحقيقي: بلدًا عريقًا، حكيمًا، وقادرًا على صياغة المستقبل بعباءة دبلوماسية رفيعة تفرض احترامها على العالم.
❖ كتابات في الميزان ❖
يشخّص المقال أثر المحاصصة السياسية في إضعاف صورة الدبلوماسية العراقية، رابطًا بين أداء البعثات في الخارج وآليات الاختيار داخل وزارة الخارجية. ويقترح إصلاحًا مؤسسيًّا يبدأ من الكفاءة والتدريب والتقييم الدوري، بدل الاكتفاء بتغيير الوجوه. وتكمن قوة المقال في انتقاله من نقد الخلل إلى تقديم خريطة إصلاح، مع بقاء بعض الأحكام العامة بحاجة إلى أمثلة وبيانات موثقة تعزز حجته.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!